تترقّب إسرائيل استكمال فرز أصوات الانتخابات البرلمانية، وسط نتائج أولية لم تمنح أياً من المعسكرين الرئيسيين أغلبية تتيح تشكيل حكومة، فيما اتهم حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو القوائم العربية بـ”سرقة” الانتخابات، وطالب بفتح تحقيق، مع بقاء مئات آلاف الأصوات التي قد تؤثر في توزيع المقاعد دون فرز.
اعلان
اعلان
نحو 480 ألف صوت لم تُفرز قد تغيّر توزيع المقاعد
وقدّرت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية عدد بطاقات الاقتراع التي لم تُفرز بعد، والمعروفة بأصوات “المظاريف المزدوجة”، بما بين 430 ألفاً و480 ألفاً، بما يعادل نحو 12 مقعداً في الكنيست.
وتُستخدم هذه الآلية للناخبين الذين يصوّتون خارج مراكز الاقتراع المسجّلين فيها، ومن بينهم الجنود وأفراد الشرطة والسجناء والسجانون والدبلوماسيون في الخارج. وتوضع بطاقة الاقتراع في مظروف داخل مظروف آخر يحمل بيانات الناخب، للتحقق من أنه لم يصوّت في مكان آخر، قبل فصل بياناته عن صوته حفاظاً على سرية الاقتراع وفرزه بشكل منفصل.
وأوضحت اللجنة أن التقدير الجديد أقل بكثير من الأرقام المتداولة سابقاً، التي بلغت نحو 600 ألف بطاقة، مشددة على أنه لا يزال أولياً وقابلاً للتغير، مع استمرار تلقي بطاقات الاقتراع ومعالجتها.
ومن المقرر إعلان الفرز الكامل للأصوات بعد ظهر الخميس، على أن تُنشر النتائج النهائية الرسمية للانتخابات في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني.
ومع تقدير أن كل مقعد في الكنيست يعادل نحو 40 ألف صوت، يمكن لهذه الأصوات أن تؤثر بصورة كبيرة في التوازنات السياسية النهائية، من دون أن يعني ذلك انتقال 12 مقعداً بين الأحزاب.
الليكود يتهم القوائم العربية بـ”سرقة” الانتخابات
اتهم حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأحزاب العربية بـ”سرقة” انتخابات الكنيست، عبر ما وصفه بجرائم تشمل الرشوة والتهديدات والعنف والتزوير والتلاعب بأوراق الاقتراع، مطالباً الشرطة وجهاز الأمن العام “الشاباك” ولجنة الانتخابات المركزية بفتح تحقيق فوري.
وقال الحزب، في بيان عقب اقتراع الثلاثاء، إن “الانتخابات في دولة إسرائيل سُرقت من قبل أحزاب عربية تدعم الإرهاب وتدمير الدولة اليهودية، من خلال جرائم جنائية خطيرة تشمل الرشوة والتهديدات والعنف والتزوير واستخدام برمجيات محظورة لحشد الناخبين”.
وأعلن الليكود أنه سيقدم مئات الشهادات والأدلة إلى الشرطة الإسرائيلية والشاباك ولجنة الانتخابات المركزية، بشأن ما قال إنها مخالفات واسعة النطاق في مراكز الاقتراع بالبلدات العربية.
وأشار البيان إلى مزاعم تتعلق بآلاف المظاريف التي تحتوي على أموال نقدية إلى جانب أوراق اقتراع للقائمة العربية الموحدة “راعم”، وتهديدات وعنف ضد أعضاء لجان مراكز الاقتراع، ودخول عدة ناخبين معاً إلى مقصورات التصويت، والتصويت بهويات مكررة، وتفاوت بين عدد المظاريف وعدد الناخبين المسجلين، واستخدام برمجيات محظورة لحشد الناخبين.
وطالب الحزب الشرطة والشاباك بإجراء “تحقيق شامل في سرقة الانتخابات من قبل الأحزاب العربية وتقديم المخالفين إلى العدالة”، كما طالب لجنة الانتخابات المركزية بالتحرك فوراً للتحقيق في ما وصفه بـ”الجرائم الجنائية التي ألحقت ضرراً بالغاً بنزاهة الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها”.
واعتبر الليكود أن الممارسات التي تحدث عنها تمثل انتهاكاً خطيراً للمبادئ الديمقراطية، مختتماً بيانه بالقول: “هذه ضربة خطيرة للديمقراطية الإسرائيلية ولحقوق التصويت للمواطنين الإسرائيليين. يجب على أجهزة إنفاذ القانون التحرك بحزم وفوراً”.
نتائج أولية دون أغلبية لأي من المعسكرين
وأفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن فرز جميع الأصوات، باستثناء الموجودة في المظاريف المزدوجة، أظهر حصول معسكر بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً في الكنيست، مقابل 48 مقعداً لمعسكر غادي آيزنكوت.
وبحسب القناة، حصلت القائمتان العربيتان معاً على 19 مقعداً، وفق نتائج الفرز المذكورة التي تطابقت مع النتائج المعلنة من لجنة الانتخابات الإسرائيلية.
وبحسب هذه النتائج، لم يتمكن أي من التكتلين الرئيسيين من بلوغ عتبة الأغلبية البرلمانية البالغة 61 مقعداً.
وتضع هذه الأرقام الأحزاب العربية أمام دور محتمل في المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة، في وقت لم تحسم فيه النتائج الأولية مآلات التوازنات السياسية داخل الكنيست.
في هذا السياق، دعا رئيس القائمة العربية المشتركة يوسف جبارين، الأربعاء، إلى إقامة “شراكة يهودية عربية حقيقية” بهدف إطاحة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ظل استمرار فرز الأصوات في الانتخابات البرلمانية.
وقال جبارين، في تصريحات لوسائل إعلام إسرائيلية، إن على كل من يسعى إلى تقديم بديل لحكومة نتنياهو التحاور مع القائمة العربية المشتركة، والعمل على تمهيد الطريق أمام التغيير السياسي.
وأضاف: “على كل من يريد تقديم بديل جوهري وحقيقي لحكومة نتنياهو الغارقة في الدماء، أن يتحاور معنا، وأن يمهّد الطريق أمام التغيير الذي يتطلع إليه الجمهور في إسرائيل”.
من جهته، قال عضو القائمة العربية المشتركة أحمد الطيبي إن معسكر التغيير قادر على تشكيل حكومة إذا تحلى بالشجاعة، مؤكداً استعداد القائمة للمساعدة في تحقيق ذلك.
نسب مشاركة مرتفعة
وتجاوزت نسبة المشاركة في الانتخابات 74%، بحسب لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية. ويُعد هذا الاقتراع الأول منذ أحداث السابع من أكتوبر، ويُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه اختباراً لقيادة نتنياهو.
وتعليقاً على النتائج الأولية، قال زعيم حزب الديمقراطيين الإسرائيلي يائير غولان لشركائه في معسكر التغيير: “عليكم الكف عن الخوف”، مشيراً إلى إمكانية تشكيل حكومة تغيير بمشاركة الأحزاب العربية.
وكان رئيس الوزراء الاسرائيلي قد أمضى معظم يوم الاقتراع، الثلاثاء، في حث أنصاره على التصويت. ووصف الانتخابات بأنها “مسألة حياة أو موت”، في محاولة لحشد الدعم لمعسكره.
وفي تصريحات جديدة، قال نتنياهو إن معسكر اليمين يتمتع بـ”أغلبية كبيرة ومؤثرة” تتيح تشكيل حكومة وطنية متماسكة. وأعرب عن ثقته بأن النتائج النهائية ستؤكد بقاء حزب الليكود القوة السياسية الأكبر، معتبراً أن حكومته أسهمت في تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط وإضعاف إيران.
وتعهد نتنياهو بإزالة ما وصفه بـ”التهديد الإيراني” نهائياً، بالتعاون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما دام النظام الإيراني يسعى إلى استهداف إسرائيل.
كما حذّر من تشكيل حكومة تعتمد على دعم أحزاب عربية غير صهيونية، معتبراً أن الترويج لهذا الخيار أو التعامل معه بوصفه أمراً طبيعياً من شأنه أن يدفع الدولة العبرية نحو مسار خطير.
أما دونالد ترامب فقال في منشور على منصته “تروث سوشيال” إن تأييده لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غيّر مسار الأمور، مضيفاً أنه بدلاً من تعرض نتنياهو لهزيمة ساحقة، يبدو المشهد الآن أقرب إلى عودة قوية.
في المقابل، قال زعيم حزب “يشار” غادي آيزنكوت، فجر الأربعاء، إن الناخبين اختاروا التغيير، داعياً نتنياهو إلى اعتزال الحياة السياسية.
وأضاف آيزنكوت، خلال خطاب أمام أنصاره، أن الانتخابات شكلت استفتاءً على القيادة، معتبراً أن مرحلة الانقسام والتحريض قد انتهت.
ورأى أن إجراء انتخابات جديدة سيكون خطأ، متعهداً بالعمل مع شركائه لتشكيل حكومة تمثل مختلف فئات المجتمع الإسرائيلي.
وقال إن نتنياهو يواجه ما وصفه بـ”أغلبية صهيونية أكبر وأقوى”، رغم تأكيده ضرورة انتظار النتائج النهائية.
وحذر آيزنكوت رئيس الوزراء من استخدام أمن إسرائيل لخدمة مصالحه السياسية. كما توجه إلى قادة الأجهزة الأمنية، داعياً إياهم إلى عدم الخضوع لضغوط سياسية، ومذكراً بأن نتنياهو يرأس حكومة انتقالية.
نتائج تخالف استطلاعات الرأي
وأثار التحول في النتائج انتقادات لاستطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات، بعدما عجزت عن توقع حجم التغير في موازين القوى السياسية.
وقال المحلل السياسي في القناة 12 الإسرائيلية أميت سيغال إن نتائج الاقتراع كشفت خللاً في تقديرات مؤسسات استطلاع الرأي خلال السنوات الأربع الماضية.
واعتبر أن هذا الخلل لم يقتصر على توقع توزيع مقاعد الكنيست، بل شمل أيضاً مواقف الجمهور من الحرب ولجان التحقيق وصفقات تبادل الأسرى.
وأشار سيغال إلى أن الاستطلاعات لم ترصد الارتفاع الكبير في دعم الأحزاب العربية، التي ارتفعت حصتها إلى 19 مقعداً وفق النتائج الجزئية.
واستثنى من انتقاداته مؤسستين قال إنهما قدمتا تقديرات أكثر دقة لقوة حزب الليكود، هما مؤسستا مومو فيلبر وتسوريئيل شارون.
مأزق تشكيل الحكومة
من جهة أخرى، شدد الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأربعاء، على ضرورة بذل كل الجهود الممكنة لتجنّب إجراء انتخابات جديدة.
وقال هرتسوغ: “ثمة أمر واحد يجب أن يكون واضحاً، وقلت ذلك قبل الانتخابات أيضاً، علينا أن نبذل كل ما في وسعنا، ولا سيما بعد انتخابات الأمس، لتجنّب جولة انتخابية أخرى”.
وتوكل إلى الرئيس هرتسوغ مهمة تحديد المرشح الذي سيكلّفه بتشكيل الحكومة.
بدوره، أوضح مراسل القناة 12 يارون أفراهام أن أياً من المعسكرين لا يملك العدد الكافي لتشكيل حكومة. واعتبر أن الخيارات المطروحة تتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.
وأشار أفراهام إلى أن غادي آيزنكوت قد يحظى بدعم عدد أكبر من الأحزاب عند تقديم توصياتها إلى الرئيس الإسرائيلي بشأن تكليف رئيس الحكومة، بما في ذلك أحزاب عربية.
وقد يمنحه ذلك فرصة الحصول على التكليف أولاً، حتى إن بقي تشكيل ائتلاف حكومي أمراً صعباً. ولفت أفراهام إلى أن هذا الموقع قد يسمح لآيزنكوت بقيادة مبادرات داخل الكنيست.
المظاريف المزدوجة وترقّب حسم توزيع المقاعد
ولا تزال النتائج أولية، في انتظار استكمال فرز الأصوات، بما فيها المظاريف المزدوجة التي قد تؤثر في توزيع المقاعد.
وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن نتائج انتخابات الكنيست السادس والعشرين لن تتضح قبل انتهاء فرز هذه المظاريف، المتوقع الخميس، فيما حددت لجنة الانتخابات الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني موعداً لنشر النتائج النهائية الرسمية.
وكانت تقديرات سابقة قد أشارت إلى أن عدد مستخدمي هذه الآلية قد يتراوح بين 600 ألف و650 ألف ناخب، مقارنة بأكثر من 460 ألفاً في انتخابات عام 2022، وربطت الارتفاع المتوقع بالعدد الكبير من جنود الاحتياط الذين أدلوا بأصواتهم بعيداً عن أماكن إقامتهم.
وبحسب التقديرات السابقة التي أوردتها الصحيفة، كان يُتوقع أن تمثل هذه الأصوات نحو 15 مقعداً في الكنيست، قبل أن تخفض لجنة الانتخابات تقديرها إلى ما بين 430 ألفاً و480 ألف بطاقة، بما يعادل نحو 12 مقعداً.
وتشير تجارب الانتخابات السابقة إلى أن فرز المظاريف المزدوجة قد يؤدي إلى انتقال مقعد أو مقعدين بين الأحزاب. وتميل هذه الأصوات عادة إلى تعزيز الأحزاب الصهيونية، مقابل تراجع نسبي للأحزاب الحريدية والعربية، بسبب توجّه الفئات التي تستخدم هذه الآلية.
وفي انتخابات عام 2022، أدى فرز هذه الأصوات إلى تراجع حزب “يهدوت هتوراه” من ثمانية مقاعد إلى سبعة، مقابل ارتفاع حصة حزب “إسرائيل بيتنا” من خمسة مقاعد إلى ستة.












