تتصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط وتتباين معها ردود الأفعال الشعبية والرسمية تجاه التهديدات الأمنية، مما يضع منطق الدولة والثورة في مواجهة فكرية وسياسية مباشرة. يتفهم الكثيرون مشاعر الغضب الشعبي التي تطالب أحياناً بردود عسكرية خليجية حاسمة ومباشرة لردع الاستفزازات، إلا أن امتناع الدول الخليجية عن الانجرار إلى مواجهات عسكرية مفتوحة لا ينبغي بأي حال من الأحوال تفسيره على أنه ضعف أو تراجع. بل على العكس تماماً، فإن الدولة الحديثة والأقوى هي تلك التي تحافظ على مكتسباتها التنموية والاقتصادية وترفض المقامرة بمستقبل شعوبها في حروب عبثية.
الجذور التاريخية للصراع بين منطق الدولة والثورة
تاريخ العلاقات الدولية مليء بالشواهد التي توضح الفارق الجوهري بين سلوك الدولة الطبيعية وسلوك الكيانات الثورية. إن النظام الدولي الحديث، الذي تأسس على مبادئ معاهدة وستفاليا عام 1648، يقوم على احترام السيادة الوطنية والحدود وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. في المقابل، تسعى الأنظمة الثورية دائماً إلى تصدير أيديولوجيتها عابرةً للحدود دون اكتراث بالقوانين الدولية.
تاريخياً، دعمت فرنسا بعد ثورة 1789 الحركات الجمهورية في أوروبا، وحاول الاتحاد السوفيتي عبر الأحزاب الشيوعية المرتبطة بموسكو تقويض الأنظمة الرأسمالية. ومع مرور الوقت، يثبت التاريخ أن الثورات تهرم وتتلاشى حماستها العقائدية لتصطدم بالواقع، حيث تضطر في النهاية للتحول إلى منطق الدولة لتضمن بقاءها، كما حدث في الصين الماوية التي انتهت إلى براغماتية اقتصادية منفتحة على العالم.
الاستراتيجية الإيرانية وتوظيف الوكلاء في المنطقة
يتجلى هذا الصراع بوضوح في المشروع الإيراني الذي بدأ بخطاب ثوري إسلامي توسعي، ثم تحول لاحقاً إلى استراتيجية دفاعية وهجومية تعتمد على نقل المعارك خارج حدودها وصناعة عمق استراتيجي في الدول المجاورة. من خلال دمج العقيدة بالمصلحة، نجحت طهران في تأسيس شبكات من الوكلاء والجماعات المسلحة مثل حزب الله في لبنان، الذي تحول إلى دويلة داخل الدولة تمتلك قرار الحرب والسلم بمعزل عن المؤسسات الرسمية.
وفي اليمن، يمثل الحوثيون نموذجاً آخر للانقلاب على الدولة والاندماج في مشروع عابر للحدود، بينما في العراق تغلغلت فصائل مسلحة في مفاصل الدولة الرسمية دون فك ارتباطها العقائدي والسياسي بالحرس الثوري الإيراني. هذه الكيانات تجيد العمل في بيئات الفوضى وتستثمر في خراب البنى التحتية لأن كلفة القرار لديها منخفضة للغاية ولا تتحمل مسؤولية رفاهية الشعوب.
التأثيرات الإقليمية والدولية لسياسة ضبط النفس
على الصعيدين الإقليمي والدولي، تدرك الدول الخليجية أن الانزلاق إلى “السباق نحو القاع” الذي تقوده الميليشيات المسلحة يعني تدمير المكتسبات الاقتصادية الكبرى ورؤى التطوير الطموحة مثل رؤية السعودية 2030. إن حماية الملاحة الدولية، واستقرار أسواق الطاقة العالمية، وجذب الاستثمارات الأجنبية يتطلب بيئة آمنة ومستقرة، وهو ما تسعى الدول الطبيعية لترسيخه.
لذلك، فإن التحالفات الدولية والإقليمية التي تتشكل اليوم لصد العبث الثوري تعيد إنتاج تجارب الاحتواء التاريخية. وكما واجهت فرنسا الثورية تحالفات أوروبية متعاقبة، يواجه المشروع الإيراني اليوم جبهة إقليمية ودولية متماسكة تسعى لفرض الاستقرار وحماية الممرات المائية الحيوية. وفي النهاية، تظل إيران أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التحول الكامل نحو منطق الدولة والتعايش السلمي، أو مواجهة التآكل الداخلي والهرم الطبيعي الذي يفتت المكونات الثورية من الداخل.
The post منطق الدولة والثورة: قراءة في التوازن السياسي بالخليج appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.









