منذ سنوات، ومنطقة الساحل الأفريقي غارقة في دوامة من الاضطرابات الجيوسياسية التي لم تعرف الاستقرار، حيث توالت الانقلابات العسكرية لتعيد صياغة موازين القوى. وتصدّر المشهد في مالي العقيد أسيمي غويتا، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب عام 2020، ليقود تحوّلاً في بوصلة التحالفات الدولية ببلاده.

اعلان


اعلان

هذا التحول لم يكتفِ بتغيير الوجوه السياسية، بل ذهب نحو “تصفية” الوجود الفرنسي عسكرياً ودبلوماسياً، وفتح الأبواب واسعةً أمام النفوذ الروسي الصاعد. وقد تجسّد هذا البديل الاستراتيجي في “فيلق أفريقيا” (فاغنر سابقاً)، الذي بات المحرك الميداني والظهير العسكري القوي للمجلس بقيادة غويتا.

وكانت مرحلة جديدة من الصراع الدولي في الساحل، حيث استبدلت باماكو تحالفاتها القديمة بشراكة روسية تهدف إلى تثبيت أركان الحكم.

ماذا يجري في مالي؟

شهدت البلاد في أواخر أبريل 2026 تصعيداً واسعا، بعد سلسلة هجمات منسقة استهدفت مواقع عسكرية وحيوية، في مقدمتها العاصمة باماكو. ووفق المعطيات، نُفذت الهجمات عبر انفجارات متزامنة وإطلاق نار كثيف.

وامتدت العمليات إلى مدن رئيسية في الشمال والوسط، من بينها غاو وكيدال، في هجوم واسع وصفه مراقبون بأنه من أكبر العمليات المسلحة في مالي خلال السنوات الأخيرة.

في هذا السياق، يشير الصحفي المتخصص في الشؤون الأفريقية الصغير الحيدري في حديثه مع “يورونيوز” إلى أن مالي تواجه وضعًا أمنيًا بالغ التعقيد، نتيجة تشابك نشاط جماعات مسلحة ذات خلفيات مختلفة، من بينها تنظيمات تتبنى أطروحات متشددة مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى جانب حركات ذات طابع انفصالي مثل “جبهة تحرير أزواد”.

ويضيف الحيدري أن هذه الجماعات أقدمت خلال الأشهر الأخيرة على تطوير أشكال من التنسيق فيما بينها، وهو ما مثّل تحولًا زاد من تعقيد المشهد الأمني، وفرض تحديات كبيرة على المجلس العسكري الحاكم بقيادة غويتا.

من جهته، يرى الصحفي الواثق بالله شاكير في حديثه لـ”يورونيوز” أن التطورات في مالي لا يمكن فهمها بمعزل عن سياق إقليمي معقد، مشيرًا إلى أن أبرز ما يميز المرحلة الحالية هو بروز تحالفات ميدانية غير تقليدية بين أطراف متباينة أيديولوجيًا.

ورغم التناقض الجوهري بين المشروع الجهادي العابر للحدود والمشروع الانفصالي المحلي، فإن ما يوصف بـ”العدوّ المشترك” المتمثل في السلطة المركزية والمجلس العسكري، شكّل أرضية لتقاطع مصالح مؤقت، تُرجم في هجمات منسّقة استهدفت مواقع سيادية وعسكرية.

وتبرز مدينة كيدال كعنصر محوري في هذا المشهد، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية في شمال مالي. ويؤكد شاكير أن فقدان السيطرة عليها، بعد أن كانت ضمن نطاق نفوذ القوات المدعومة من روسيا، يمثل تطورًا هاما وضربة للمجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا.

من المستفيد من التصعيد؟

يطرح الصحفي الواثق بالله شاكير فرضية مفادها أن الطابع المتزامن والمكثّف للهجمات، واستهدافها المباشر للقيادات العسكرية، قد يعكس مستوى من التنسيق يتجاوز القدرات المحلية التقليدية للجماعات المسلحة.

وفي هذا السياق، يبرز اسم فرنسا كطرف قد يكون مستفيدًا، بشكل غير مباشر، من حالة الاضطراب الأمني في مالي. فبعد إنهاء عملية “برخان” وخروجها من البلاد، فقدت باريس جزءًا كبيرًا من نفوذها في منطقة الساحل، في مقابل صعود الدور الروسي الذي عزز حضوره عبر عناصر “فاغنر”، التي أُعيد تنظيمها لاحقًا ضمن ما يسمى “فيلق إفريقيا”.

وبالتالي، فإن أي تدهور أمني يضعف المجلس العسكري الحاكم ويؤثر على حلفاء موسكو، قد يصب نظريًا في مصلحة باريس، التي لا تخفي سعيها إلى الحفاظ على موطئ قدم في المنطقة أو استعادة جزء من نفوذها التقليدي، وفق المتحدث.

ويضع شاكير هذه التطورات ضمن إطار ما يصفه بـ”حرب بالوكالة” بين القوى الغربية، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي حلف شمال الأطلسي ” الناتو”، وروسيا في القارة الإفريقية.

فمنذ سلسلة الانقلابات في مالي والنيجر، تراجع الوجود الغربي بشكل ملحوظ، مقابل توسع ترتيبات أمنية وعسكرية أقرب إلى موسكو، ما جعل منطقة الساحل ساحة تنافس مفتوحة على إعادة تشكيل موازين القوة.

مالي بين روسيا وأمريكا

يوضح الصغير الحيدري في حديثه أن روسيا تلعب اليوم دوراً متقدماً في مالي، حيث استفادت موسكو من تراجع النفوذ الفرنسي عقب الانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد، لتقدم نفسها كبديل استراتيجي عن باريس. وفي هذا السياق، تبنّى المجلس العسكري خطاباً مناهضاً لفرنسا، واعتمد على دعم قوات روسية في مواجهة الجماعات المسلحة.

ويطرح الحيدري تساؤلات حول مدى نجاح هذا الخيار، وما إذا كان قد حقق نتائج ملموسة على أرض المعركة. ويشير إلى أنه في البداية سُجلت نتائج وُصفت بالمهمة، أبرزها سيطرة الجيش المالي قبل نحو عامين على مدينة كيدال، التي تُعد معقلاً تاريخياً للمتمردين الطوارق وهم منحدرون من أصول أمازيغية أو بربرية ويتواجدون بالصحراء الكبرى.

غير أن هذا الزخم سرعان ما تراجع، مع بدء انتكاسات ميدانية بارزة، خصوصاً بعد الهجوم الذي شنّته الجماعات المسلحة على مدينة تين زاوتين عام 2024، والذي خلّف عشرات القتلى في صفوف الجيش المالي وعناصر يُعتقد أنهم من مجموعة “فاغنر”. ومنذ ذلك الحين، ازدادت جرأة هذه الجماعات في تنفيذ هجماتها، إلى درجة فرض حصار على العاصمة باماكو وقطع إمدادات الوقود عنها لأشهر.

كما شهدت مالي مؤخراً تصعيداً غير مسبوق، انتهى بمقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، أحد أبرز وجوه المرحلة الحالية. وفي المقابل، لفت الحيدري إلى أن القوات الروسية انسحبت من خطوط المواجهة، وهو ما يمكن تفسيره، وفق قراءات متعددة، على أنه تراجعٌ في مستوى الالتزام العسكري، بينما تبرّر موسكو ذلك بأن دورها يقتصر أساساً على التدريب والدعم غير المباشر للجيش المالي.

وفي ما يتعلق بالولايات المتحدة، يشير الحيدري إلى تحركات أمريكية متزايدة لإعادة الانخراط في مالي، في محاولة لاستعادة نفوذها في بلد يملك احتياطات كبيرة من الذهب تُقدّر بنحو 800 طن. ويربط هذا التوجه بما يُنسب إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب من اهتمام بالمعادن والثروات الباطنية.

كما يضيف أن واشنطن رفعت بالفعل العقوبات عن عدد من المسؤولين الماليين الذين شاركوا في الانقلاب، ما قد يمهّد لتقارب تدريجي بين باماكو وواشنطن، الأمر الذي قد ينعكس بدوره على مستوى الشراكة بين مالي وروسيا في المرحلة المقبلة.

أزمة مالي وتداعياتها على الأمن الجزائري

تمثل الجزائر أحد أبرز الأطراف المتأثرة بما يجري في مالي، بالنظر إلى عامل الجوار الجغرافي والامتداد الحدودي الطويل الذي يتجاوز ألف كيلومتر، ويمرّ عبر مناطق صحراوية مفتوحة يصعب ضبطها بشكل كامل. هذا الوضع يجعل أي تدهور أمني في شمال مالي يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الجزائري، خاصة في ظل هشاشة المنطقة الحدودية وتعقيداتها القبلية والاجتماعية.

وبحسب شاكير، فإنه هناك بعض المخاوف الجزائرية والتي لا تقتصر على احتمال تسلّل الجماعات المسلحة عبر الحدود، بل تمتد إلى سيناريو آخر يتمثل في تآكل أو انهيار سلطة الدولة المركزية في مالي، خصوصاً في مناطق الشمال. وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تتحول تلك المناطق إلى فراغ أمني مفتوح، يشكّل بيئة خصبة لنشاط التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب، بما في ذلك تهريب الأسلحة والبشر.

كما أن هذا التطور قد يعيد تنشيط ديناميات عدم الاستقرار التقليدية في منطقة الساحل، مع احتمال امتداد تداعيات الفوضى إلى العمق الجزائري أو حتى إلى دول مجاورة مثل النيجر وموريتانيا. وهو ما يفسر تركيز الجزائر المتزايد على تعزيز انتشارها العسكري على طول الحدود، وتكثيف عمليات المراقبة الاستخباراتية، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية تهدف إلى الدفع نحو حلول سياسية داخل مالي.

وفي المقابل، وبحسب الحيدري، فقد سجلت الجزائر تراجعاً غير مسبوق في دورها تجاه الجارة الجنوبية، بعد أن علق المجلس العسكري اتفاق السلام الذي كانت الجزائر قد توسطت فيه عام 2015 بين حكومة باماكو والحركات الانفصالية المطالبة بانفصال شمال مالي. كما شهدت العلاقات بين البلدين توتراً دبلوماسياً ملحوظاً على خلفية مزاعم إسقاط طائرة مالية من قبل القوات الجزائرية، ما أدى إلى حالة من التنافر الدبلوماسي غير المعتاد.

ومع ذلك، لا توجد أدلة تؤكد تورّط الجزائر أو فرنسا في دعم الجماعات الجهادية أو المسلحة في مالي، رغم أن كلاً من باريس والجزائر تأثرتا بشكل واضح جرّاء تراجع نفوذهما في البلاد، في ظل سياسات المجلس العسكري الحاكم في باماكو، بحسب الحيدري.

سيناريوهات مفتوحة

يخلص الصحفي الواثق بالله شاكير إلى أن المشهد في مالي لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة. ففي ظل التصعيد الأخير، لا يمكن الجزم بمسار واحد للأحداث، بقدر ما تتقاطع عدة سيناريوهات محتملة:

  1. السيناريو الأول يتمثل في قدرة المجلس العسكري بقيادة أسيمي غويتا على احتواء الهجمات واستعادة زمام المبادرة، مستفيدًا من الدعم العسكري الذي يتلقاه من حلفائه، وعلى رأسهم روسيا. هذا الاحتمال يبقى قائمًا خاصة إذا نجحت القوات المالية في إعادة تنظيم صفوفها وشن عمليات مضادة تستهدف مراكز ثقل الجماعات المسلحة.
  2. أما السيناريو الثاني، فيرتبط بإمكانية حدوث تصعيد داخلي، حيث قد تؤدي الضغوط الأمنية المتزايدة وتدهور الوضع الميداني إلى تصدعات داخل المؤسسة العسكرية نفسها. وفي هذا السياق، لا يُستبعد أن تظهر محاولات لإعادة ترتيب السلطة من الداخل، سواء عبر انقلاب جديد أو صراع بين أجنحة القيادة، مع تحميل السلطة الحالية مسؤولية الإخفاقات.
  3. في المقابل، يبرز سيناريو ثالث يتمثل في عودة الطرح المدني إلى الواجهة، حيث قد تسعى قوى المعارضة إلى استغلال حالة الاضطراب الراهنة للضغط باتجاه إنهاء الحكم العسكري واستعادة المسار الدستوري، خاصة مع تصاعد مطالبها بعودة النظام المدني. إلا أن هذا السيناريو يظل مستبعداً في الوقت الحالي.

ورغم تعدد هذه السيناريوهات، يؤكد شاكير أن الحديث عن “هزيمة كاملة” للمجلس العسكري يظل سابقًا لأوانه، إذ لا يزال يفرض سيطرته على الجزء الأكبر من الأراضي المالية، ما يعني أن الصراع لم يُحسم بعد.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version