في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة المحيط الهندي والهادئ، أجرت تايوان واحدة من أكبر مناوراتها الوطنية لاختبار جاهزيتها الشاملة في مواجهة سيناريو غزو صيني شامل. تضمنت هذه التدريبات المعقدة محاكاة لحصار بحري، وهجمات إلكترونية، وحرب إعلامية، تزامناً مع زلزال مدمر وانهيار للبنية التحتية، وصولاً إلى اجتياح عسكري واسع للجزيرة. شارك في هذا الحدث الاستثنائي أكثر من 370 مسؤولاً حكومياً وعسكرياً في مقاطعة نانتو وسط تايوان، وذلك في إطار خطة استراتيجية يقودها الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي لتعزيز قدرة البلاد على الصمود أمام الأزمات العسكرية والكوارث الطبيعية، خاصة مع تزايد الضغوط العسكرية الصينية.
جذور التوتر التاريخي ومخاوف اندلاع غزو صيني شامل
لفهم السياق العام لهذه التدريبات، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية للصراع، حيث تعتبر بكين تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها منذ انتهاء الحرب الأهلية الصينية عام 1949. وعلى مدار العقود الماضية، لم تستبعد الصين استخدام القوة العسكرية لتحقيق ما تسميه “إعادة التوحيد”. هذا الإرث التاريخي المعقد يجعل من أي تدريبات عسكرية تايوانية خطوة حساسة، حيث تسعى تايبيه باستمرار إلى تطوير استراتيجيات الردع الخاصة بها لمنع أي غزو صيني شامل محتمل، معتمدة على تعزيز قدراتها الذاتية وتوثيق علاقاتها مع شركائها الدوليين.
سيناريوهات الكابوس: حصار بحري وكوارث طبيعية
بدأت المناورات التايوانية بفرض سيناريو يحاكي أسوأ الكوابيس، متمثلاً في حصار صيني متزامن مع زلزال بقوة 6.8 درجة. استغلت بكين (افتراضياً) هذه الكارثة لنشر الفوضى قبل أن تتوالى الأزمات عبر تعطيل البث التلفزيوني، وتخريب البنية التحتية، وإثارة الذعر بين المواطنين، وحدوث سحب جماعي للأموال من البنوك، واندلاع اضطرابات مدنية. وبحسب وكالة «رويترز» التي حضرت التدريبات المغلقة، هدفت هذه المحاكاة إلى اختبار قدرة السلطات المحلية والحكومة المركزية والجيش على إدارة الأزمات والحفاظ على عمل المؤسسات الحيوية تحت ظروف الحرب القاسية. وأكد الوزير التايواني بلا حقيبة، تشي ليان-تشنغ، المشرف على المناورات، أن الخطر يقترب من البلاد أكثر من أي وقت مضى، مشيراً إلى أن الخصم يقف على الأعتاب مباشرة عبر مضيق تايوان.
دمج الجهود المدنية والعسكرية لمواجهة الأزمات
شملت المناورات إسقاط طائرة مسيرة صينية افتراضية كانت تستهدف محطة كهرباء، وإنشاء مراكز لتوزيع المواد الغذائية، إضافة إلى إدارة أزمة نتجت عن الزلزال المفترض الذي أسفر عن مقتل 12 شخصاً. واستخدم المشاركون نظاماً تكتيكياً متطوراً طوره الجيش الأمريكي لعرض مواقع الأهداف المعادية في الوقت الفعلي، إلى جانب منصات حكومية تفاعلية لمتابعة حركة سيارات الإسعاف والموارد، في إطار تعزيز التكامل بين المؤسسات المدنية والعسكرية. وفي هذا السياق، أوضح نائب الأمين العام لمجلس الأمن القومي التايواني، لين فاي-فان، أن الرسالة الموجهة إلى الصين واضحة، وهي أن المجتمع التايواني أصبح أكثر استعداداً، مما سيجعل أي قرار بشن حرب أكثر كلفة وأقل ضماناً للنجاح.
حرب المعلومات والتضليل الإعلامي
لم تقتصر المناورات على الجوانب العسكرية، بل اختبرت أيضاً قدرة السلطات على مواجهة حملات التضليل الإعلامي. وتضمن السيناريو اختراق محطات تلفزيونية محلية واستبدال بثها بدعاية صينية، إضافة إلى توزيع منشورات مضللة في الشوارع بهدف إثارة الذعر. وردت السلطات بعقد مؤتمرات صحفية افتراضية وتدريب المسؤولين على التحقق من المعلومات. وقال لي إي-يوان، وهو مسؤول محلي يبلغ من العمر 75 عاماً وقاد فريقاً للاستجابة المجتمعية، إن التدريب ساعده على فهم أساليب التضليل الحديثة، مضيفاً أن الخصم سيستخدم الذكاء الاصطناعي لنشر معلومات كاذبة.
التداعيات الإقليمية والدولية للتدريبات التايوانية
تكتسب هذه التدريبات أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يتجاوز الحدود المحلية ليمتد إلى المستويين الإقليمي والدولي. فاستقرار تايوان يعد ركيزة أساسية للأمن في منطقة المحيط الهندي والهادئ، وأي صراع هناك سيهدد سلاسل التوريد العالمية، خاصة في مجال صناعة أشباه الموصلات التي تقود تايوان إنتاجها عالمياً. وقد أوضح المسؤولون التايوانيون أن تصميم المناورات استند إلى الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط. وفي إطار الاستعداد، كُلف مقاطعة نانتو، وهي المقاطعة الوحيدة غير الساحلية، بالتحول إلى منطقة خلفية تستقبل المدنيين الفارين من السواحل وتوفر الدعم اللوجستي للقوات.
ردود الفعل الصينية وتصاعد الأنشطة العسكرية
تأتي هذه التدريبات في وقت تواصل فيه الصين تكثيف أنشطتها العسكرية حول الجزيرة. فقد أعلنت تايوان، تزامناً مع انتهاء المناورات، رصد دورية قتالية صينية مشتركة ضمت سفناً حربية و22 طائرة عسكرية، بينها قاذفات قادرة على حمل أسلحة نووية. في المقابل، اتهم مكتب شؤون تايوان في الصين الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي بتصعيد التوترات، محذراً من أن سياساته قد تدفع المنطقة نحو مواجهة عسكرية وحرب مدمرة.
The post تايوان تحاكي سيناريو غزو صيني شامل وسط تحذيرات بكين appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












