أظهرت النتائج الأولية لفرز الأصوات في انتخابات السويد البرلمانية تقارباً تاريخياً غير مسبوق، حيث تشهد البلاد صراعاً محتدماً على مقعد واحد قد يحدد هوية الحكومة المقبلة. ووفقاً للبيانات الصادرة عن التلفزيون السويدي الرسمي بعد فرز أكثر من 99% من الأصوات، فإن كتلة أحزاب المعارضة اليسارية حققت تقدماً ضئيلاً للغاية بنسبة فوز تقديرية تصل إلى 99.9%، متفوقة بفارق مقعد واحد فقط على ائتلاف يمين الوسط الحاكم بقيادة رئيس الوزراء الحالي أولف كريسترسون. وتشير التوقعات إلى حصول معسكر اليسار على ما بين 175 إلى 176 مقعداً، مقابل 173 إلى 174 مقعداً لكتلة اليمين، مما يضع البلاد على أعتاب مرحلة معقدة من المفاوضات السياسية الشاقة.
الجذور التاريخية للاستقطاب السياسي في السويد
لطالما عُرفت السويد بنموذجها الاجتماعي الديمقراطي المستقر وعقود من الهيمنة السياسية لليسار الوسطي. ومع ذلك، شهدت الخارطة السياسية في العقدين الأخيرين تحولات جذرية مدفوعة ببروز قضايا الهجرة، والاندماج، وصعود الجريمة المنظمة. هذا التحول مهد الطريق لنمو التيارات اليمينية المحافظة واليمين المتطرف المتمثل في حزب “ديمقراطيي السويد”، الذي بات يمثل رقماً صعباً في المعادلة البرلمانية. السباق الانتخابي الأخير يعكس هذا الانقسام العميق في المجتمع السويدي، حيث لم تعد التحالفات التقليدية قادرة على حسم الأغلبية بسهولة، مما جعل من كل صوت ومقعد برلماني وزناً مصيرياً لتحديد توجهات الدولة المستقبلية.
عقبات معقدة أمام تشكيل الحكومة بعد انتخابات السويد
تتصدر رئيسة الوزراء السابقة وزعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ماجدالينا أندرسون، جهود معسكر اليسار لتشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن طريقها نحو نيل ثقة البرلمان يبدو مليئاً بالأشواك السياسية. تكمن المعضلة الرئيسية في حاجة أندرسون إلى تنسيق المواقف بين ثلاثة أحزاب صغيرة ذات توجهات متباينة للغاية؛ حيث يرفض حزب الوسط بشكل قاطع الدخول في حكومة تشارك فيها قوى اليسار الراديكالي (الذي تعود جذوره للحزب الشيوعي السابق)، بينما يصر الأخير على أن يكون له دور فاعل في الائتلاف الحاكم بعد تحسن نتائجه الانتخابية. علاوة على ذلك، يمثل حزب الخضر تحدياً إضافياً بطروحاته البيئية المتشددة وسياسات الهجرة التي تثير قلق قطاع الأعمال وبعض الأجنحة المحافظة داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي نفسه.
التداعيات المحلية والإقليمية لنتائج الاقتراع
تتجاوز أهمية هذه الانتخابات الحدود الجغرافية للسويد لتلقي بظلالها على الصعيدين الإقليمي والدولي. محلياً، ستحدد الحكومة القادمة ملامح السياسات الأمنية والاقتصادية، لا سيما بعد أن ركز ائتلاف يمين الوسط في حملته على نجاحاته في خفض معدلات اللجوء إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود ومكافحة جرائم العصابات. أما على الصعيد الدولي والإقليمي، فإن استقرار السويد السياسي يعد أمراً حيوياً للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة في أوروبا الشمالية. أي شلل سياسي أو حكومة ائتلافية ضعيفة قد يؤثر على سرعة اتخاذ القرار السويدي في الملفات الأمنية والاقتصادية المشتركة مع الحلفاء الأوروبيين.
وفي هذا السياق، أشارت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية إلى أن هذه النتائج المتقاربة ستؤدي حتماً إلى مفاوضات ماراثونية صعبة قد تستغرق أسابيع لتشكيل الحكومة، بانتظار الإعلان الرسمي والنهائي لفرز الأصوات المتأخرة وأصوات المغتربين في الخارج، والمقرر اكتماله قبل نهاية الأسبوع الحالي.
The post انتخابات السويد: صراع المقعد الواحد ومستقبل تشكيل الحكومة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












