دخل التوتر بين إثيوبيا وإريتريا مرحلة جديدة بالغة الخطورة من التصعيد العسكري المباشر، مهدداً بجر منطقة القرن الأفريقي المضطربة إلى أتون حرب شاملة جديدة. وأفادت تقارير ميدانية صادرة عن شهود عيان ومنظمات دولية متخصصة برصد النزاعات، بأن طائرات مسيرة تابعة للجيش الإثيوبي شنت سلسلة من الغارات الجوية المكثفة استهدفت مواقع وتجمعات تابعة للقوات الإريترية في مدينة أديغرات الواقعة شمال إقليم تيغراي المضطرب. يأتي هذا التطور الميداني المتسارع بعد أيام قليلة من قرار أسمرة الرسمي بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع أديس أبابا، مما ينذر بانهيار كامل للتفاهمات الهشة بين الجارتين.
تفاصيل الغارات الجوية في أديغرات وتضارب الروايات
أكدت منظمة “أكليد” (ACLED) الدولية، المعنية بتتبع ومراقبة النزاعات المسلحة حول العالم، أن مدينة أديغرات القريبة من الحدود الإريترية المشتركة شهدت ليلة ساخنة جراء تعرضها لعدة ضربات جوية نفذتها طائرات مسيرة إثيوبية. واستهدفت هذه الضربات بشكل مباشر تحركات عسكرية ومستودعات ذخيرة تابعة للقوات الإريترية المتواجدة في المنطقة. وفي السياق ذاته، نقلت وكالة “فرانس برس” عن سكان محليين سماع دوي انفجارات عنيفة ناتجة عن عدد كبير جداً من الغارات الجوية التي هزت أرجاء المدينة.
في المقابل، سارعت الحكومة الإريترية إلى نفي هذه الأنباء على لسان وزير إعلامها، يماني قبر مسقل، الذي أنكر وجود أي قوات لبلاده داخل مدينة أديغرات. واعتبر مسقل أن هذه الروايات الإثيوبية ليست سوى جزء من مخطط ممنهج لتبرير شن حرب عدوانية جديدة ضد إريتريا، مشيراً إلى أن أديس أبابا تحاول تسويق أي مواجهة عسكرية محتملة على أنها خطوة للدفاع عن النفس عبر اختلاق ذرائع واهية ضد أسمرة.
الجذور التاريخية: كيف تحول السلام إلى جولة جديدة من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا؟
لفهم أبعاد هذا الصراع المتجدد، يجب العودة إلى الجذور التاريخية المعقدة للعلاقات بين البلدين. فبعد عقود من القطيعة والحروب الحدودية الدامية التي اندلعت في أواخر التسعينيات، شهد عام 2018 انفراجة تاريخية تمثلت في توقيع اتفاق سلام شامل بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري إسياس أفورقي، وهو الاتفاق الذي نال عليه آبي أحمد جائزة نوبل للسلام.
ومع ذلك، فإن هذا السلام لم يدم طويلاً؛ إذ تدهورت العلاقات مجدداً خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022. في تلك الحرب، تحالفت القوات الإريترية مع الجيش الإثيوبي لمواجهة “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”. ولكن بعد توقيع اتفاق “بريتوريا” للسلام الذي أنهى القتال في تيغراي، بدأت ملامح الخلاف تطفو على السطح مجدداً. وتتهم أديس أبابا حالياً أسمرة بمواصلة التدخل في الشؤون الإثيوبية ودعم فصائل مسلحة، بينما تخشى إريتريا من الطموحات الإثيوبية المعلنة للحصول على منفذ بحري مباشر على البحر الأحمر، وهو ما تراه أسمرة تهديداً مباشراً لسيادتها وأراضيها، خاصة وأن إثيوبيا تعد دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993.
تداعيات إقليمية وتحذيرات دولية من كارثة إنسانية
يحمل هذا التصعيد الأخير تداعيات بالغة الأثر على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، يهدد تجدد القتال في إقليم تيغراي بنسف جهود إعادة الإعمار والاستقرار الهش في الإقليم الذي عانى من مجاعة وأزمة إنسانية خانقة خلال الحرب الأخيرة. إقليمياً، قد يؤدي الصدام المباشر بين القوتين العسكريتين الأكبر في القرن الأفريقي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وجذب أطراف إقليمية أخرى إلى الصراع.
دولياً، عبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها البالغ إزاء هذه التطورات الخطيرة. وحذرت واشنطن الطرفين من مغبة الاستمرار في التصعيد، داعية أسمرة وأديس أبابا إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والعودة إلى المسار الدبلوماسي. وأكدت الإدارة الأمريكية أن اندلاع حرب جديدة في هذه المنطقة الحيوية من العالم سيهدد بشكل مباشر برامج التعاون والشراكة الاقتصادية والأمنية التي تجمع الولايات المتحدة بالبلدين، فضلاً عن تهديد سلامة الملاحة البحرية الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
The post التوتر بين إثيوبيا وإريتريا: غارات مسيرة تشعل إقليم تيغراي appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












