تعدّ الكاتبة المغربية نُهى الخطيب نموذجاً للتقارب بين المشرق والمغرب العربيين، فهي -جغرافياً- ابنة «أصيلة» مدينة الأصالة والمعاصرة، وهي -تاريخياً- امتداد لإرث أدبي وإنساني بدأ مع روايات «همينغواي العرب» (حنّا مينه) وقصائد شاعر القرن العشرين (نزار قباني).
درست القانون، وتخصصت في علم الاجتماع، وامتهنت التدريس، وتكتب النقد بأسلوب آسر ولغة راقية.
وفي محاولة للقبض على مكامن ومنطلقات وتجليات الإبداع في شخصية ضيفتنا، جاء هذا الحوار، فإلى نصّه:
• ما الأثر الذي تطبعه «أصيلة» في وعي ساكنيها والمولودين بها؟
•• أصيلة نموذج من المدن التي يتداخل فيها الفضاء الحضري مع التنمية الثقافية، بمعنى أن الوعي الذي يتشكل لدى «الزيلاشيين» منذ نعومة أظافرهم، ليس نتاج صدفة، بل هو ثمرة «مأسسة الثقافة» التي جعلت من المدينة مدرسة مفتوحة، وشرعت الأبواب على مصراعيها للتطبيع مع الإبداع، باعتباره أداة لفهم الذات والتعبير عن الانتماء وبناء الشخصية، ويمكن رصد أبرز مؤشرات تشكل الوعي متمثلاً بالانخراط المبكر في الفعل الفني للأطفال؛ ليس فقط بالتلقي، بل بوصفهم أعضاء فاعلين في حماية جمالية المدينة عن طريق الجداريات ومشاغل التكوين المستمر، إضافةً إلى دورها في الاحتكاك الحضاري والتفاعل مع الرموز الثقافية العالمية بفضل انفتاح الموسم على فنانين ومفكرين من مختلف بقاع العالم، وتعزيز ملكات التعبير الأدبي والذاتي في موسميها الثقافيين كل عام، ما يولد لديهم وعياً نقدياً وذاتياً، كما أن استشعار المسؤولية المجتمعية، نسج بالأنشطة الثقافية في المدينة ارتباطاً وثيقاً بينها وبين ساكنيها صغاراً وكباراً، فغدا المكوّن الاجتماعي واجهة الدفاع عن جمالية المدينة، وللموقع والطبيعة ملمح الوعي الهادئ المتزن؛ الانفتاح البحري، والطبيعة الساحلية، والبنية العمرانية التي تعود للقرن الخامس عشر، وتاريخها الغني الذي يمتد لأكثر من ألفي عام، كل هذا التنوع يجعلنا نعيش في زمن متسارع بإيقاع متأمل، نجعل من الجدران حكاية ومن البحر أفقاً للتفكير، ومن صخب الحياة فضاء للمكاشفة مع الذات.
• هل يؤثر الماء في سرعة انتقال الثقافات من ضفة إلى أخرى؟
•• الماء جسر آخر لتبادل التجارة والسياحة والمعرفة شأن النقل الجوي والطرق البرية الحديثة، وقديماً كانت البحار والأنهار هي أسرع وأسهل وسيلة لنقل البضائع وحتى الأفكار والأخبار والمعتقدات والتقنيات، حتى أن بعض الثقافات على ضفتي النهر أو البحر تتشارك في نمط عيش واحد، فلم يكن الماء عبر التاريخ مجرد مورد طبيعي للبقاء، بل كان يربط بين الضفاف، ويجعل من التواصل الثقافي والتبادل الحضاري أمراً حتمياً.
• ما الذي أخذ الآخر من «أصيلة»؟ وماذا أعطاها؟
•• سؤال يلامس جوهر التجربة الإنسانية في علاقتها بالمكان، وهو سؤال أزلي يعكس صراعاً أزلياً بين الجغرافيا الخارجية والجغرافيا الداخلية، وجدلية تبادلية لا تنفصل.. المدينة تشكّل إيقاع حياتنا، وتفرض علينا اللهجة وطريقة تفكيرنا ومشينا، وتمنحنا الهوية المكانية، وتملي علينا ما نراه وما نسمعه صباح مساء، وتصبغ ذاكرتنا بملامح شوارعها ومبانيها، وبمجرد أن نغادرها فإننا نحملها معنا في حالة شعورية، نسقطها على أي مكان جديد، تصبح المدينة الأم جزءاً من عتادنا النفسي، لأن العلاقة بين الناس والمدن ليست علاقة من طرف واحد، بل هي عقد غير مكتوب يتضمن التبادل والعطاء المستمر، هي توفر لي الفضاء، وأنا أضخ الحياة في حجارتها الصامتة، هي تمنحني أفقاً غنياً بالثقافات واللقاءات، وأنا أمتنّ لها بتصرفاتي وكتاباتي وحضوري الدائم، هي تمتعني بحكاياها التاريخية والمجتمعية، وأنا أخلّدها في ذاكرتي، لم أكن أبداً مجرد عابرة في مدينتي بل كنت وما زلت جزءاً من نسيجها، وهي جزء من معجمي.
• على أي منظر فتحت عينيك في طفولتك وظلّ ساكناً داخلك إلى اليوم؟
•• دفء الجوار، وأبواب البيوت المشرعة طول النهار، ليست دعوة للضيوف والزوار فقط، بل علامة على الأمان والثقة المطلقة، كنت أنتقل من بيت لآخر دون استئذان، وكأنني أملك مفاتيح كل المنازل، لم يكن الناس مجرد سكان متجاورين، بل أعمام وعمات، أخوال وخالات، أجداد وجدات، ولم تكن البيوت خرسانية صماء بل حدائق غناء، هواؤها نقي يمنحني شعوراً عميقاً بالانتماء، كنت أعرف كل زاوية وكل شجرة وكل وجه، كان العالم هادئاً وبسيطاً ومليئاً بالحياة، عشت فيه طفولتي بكل تفاصيلها في حماية عائلة كبيرة اسمها الحي.
• بماذا تشبهين «أصيلة»؟ وفي ماذا تتشابه معك؟
•• هناك رابط روحي وثقافي عميق، بيني وبين مسقط رأسي «أصيلة»، ربما أشبهها في أصالتها التي تتطلب شجاعة في اكتشاف جوهر الأشياء وصياغة الجمال من قلب التناقضات، دون أن أكون صدى لأحد، بينما أظلّ و«أصيلة» نحافظ على مسافتينا اللتين تفصلان بين الحضور في العالم وبين الحفاظ على الذات.
• لمن تدينين بالفضل في اكتشاف نواة الشغف الأدبي في داخلك؟
•• «أصيلة» لا غيرها، ثم جدتي لوالدتي، كلتاهما كانتا محفزتين للذاكرة والدهشة ووفّرتا لي الإلهام، الأولى تختزن إرثاً حضارياً يهمس بنصوص عصيّة على التجاوز، والثانية أسميها «مستودعاً للحكمة الفطرية» إضافة إلى الشخصية القوية مع الجمال الخِلقي الذي كسر الصورة النمطية السائدة للمرأة الضعيفة التابعة، التي خدمت في ما بعد اهتماماتي الأدبية في مواجهة القبح والقيود التقليدية.
• من أول الكتّاب الذين افتتنت بكتاباتهم؟
•• إنسانية الخطاب هي السرّ في افتتاني بمجموعة لا حصر لها من الكتّاب والمفكرين والشعراء من المغرب وخارجه لكن الكاتب السوري «حنا مينه» في قدرته الفذة على تحويل البحر من مجرد بيئة جغرافية إلى فلسفة وجودية ورمز للحرية والمقاومة والرزق والموت، ونزار قباني الشاعر السوري أيضاً الذي اخترق جدران النخبوية ليصبح شاعر الناس بامتياز، ويعيد ابتكار لغة طيّعة بين يدي القارئ هما من استطاعا صياغة وجداني، لأنني عاشقة للصوت الذي يقول ما لا يجرؤ الآخرون على قوله تعبيراً عن أوجاع وأحلام القارئ العربي.
• لماذا كان اختيار القانون في المرحلة الجامعية، علماً بأن الهوى والهوية أدبية؟
•• الأدب يُعنى باللغة باعتبارها أداةً للتعبير عن الذات وتفكيك العواطف، والقانون يُعنى باللغة كونها بناء نُظُم، وضبط علاقات، وصياغة عدالة، ربما كان اللاوعي عندي وعند والدي -رحمه الله- آنذاك هو أن القانون أدب محكم، الكلمة فيه ليست مجرد تعبير، بل هي فعل يلزم ويغيّر واقع الناس، فالاختيار كان محاولة توفيق بين العقل الذي يسعى للاستقرار المهني والقلب الذي يسعى للجمال.
• ماذا أضافت دراسة علم الاجتماع لحرفتك الأدبية؟
•• يقول عالم الاجتماع «سي رايت ميلز» إن الخيال السوسيولوجي هو القدرة على ربط المشكلات الشخصية بالقضايا العامة، وهذا أظن جعل شعري ونثري يلامس وجدان القارئ بشكل أعمق، لأنني أتحدث في معظم كتاباتي بلسان حال المجموع لا بلسان الفرد فقط، وكتاباتي مرآة للمجتمع الذي أعيش فيه، دراستي لعلم الاجتماع جعلتني أدرك أن النص الأدبي هو منتج اجتماعي تؤثر فيه السوق الأدبية والذائقة الاجتماعية.
• متى أصدرتِ مجموعتكِ الأولى «امرأة من زيزفون»؟ وكم بين المجموعة الأولى ومجموعة «عيون القلب»؟ وكيف تفاعل النقاد معها؟
•• أصدرت المجموعة الأولى عام 2019، والثانية عام 2020 والحقيقة التي لا أخجل منها، أنني وجدتهما مجموعتين تشبهان كل المجموعات في سوق الشعر، الأمر الذي حزّ في نفسي كثيراً، فالشاعر الحقيقي هو الذي يستطيع النظر إلى نفسه بعين الناقد القاسي والانتقال من مرحلة العاطفة تجاه النص إلى مرحلة الوعي الفني بالنص، فالمجموعة الشعرية ليست حقيبة نضع فيها ما كتبناه من تراكم. وغزارة المؤلفات ليست مقياساً لقيمة الشاعر وإبداعه الأدبي، بل هي مشروع لابد فيه من مساءلة النفس والغربلة القاسية واكتمال الصوت الخاص أي البصمة الأدبية كعلامة للجاهزية في امتلاك صوت لا يشبه أحداً، وهوية أدبية واضحة، ورغم أن النقاد قد أثنوا على المجموعتين، فقد احتفظت بهما كوثيقتين تاريخيتين لمرحلة أدبية من حياتي معتذرة منهما ليس انتقاصاً من قيمتهما بل تقدير لمسافة التطور التي قطعتها.
• ما سبب البدء بالنقد قبل الكتابة الإبداعية؟
•• النقد مصفاة تسمح للشاعر برؤية الأفكار السطحية أو الكليشيهات قبل أن تتحول إلى نصوص مكتملة، الكتابة غالباً ما تبدأ من تدفق فكري وعاطفي لا نقول غير صحيح بل غير منضبط وغير منظم، والبدء بالنقد يعني طرح الأسئلة الفنية، ووضع النصوص في سياقها الثقافي والاجتماعي الأوسع، وعندما يمتلك الشاعر ويتبنى نظرة نقدية فإنه يصبح مهندساً له مخطط يسبق وضع الحجر الأساس لنصوصه، لتولد مكتملة بدلاً من التخبط في أفكار دون هدف.
• ما تقييمك لأعمالك الشعرية المشتركة؟
•• هي تقاطع لرؤى مختلفة وليست مجرد ترف أدبي، وتجربة تتجاوز الفردية المعتادة في كتابة الشعر، وتلاقح يؤدي إلى إنتاج نصوص أكثر ثراء وعمقاً، إضافة إلى كونها فرصة ذهبية للوصول إلى جمهور أوسع للذين يواجهون تحديات في النشر الورقي.
• كيف كانت التجربة الصحفية؟ وبأي مكتسب خرجتِ منها؟
•• تجربة العمل الصحفي علمتني أن أطوّعها لصالح مشروعي الأدبي ومنحتني مكاسب جوهرية لم أوفّرها في العزلة الإبداعية المحضة التي أغرقتني في الذات، كما علمتني الانضباط والمهنية، والتحرر من القداسة، وتوسيع دائرة اهتماماتي مع الحذر في عدم السماح لها بأن تغتال شاعريتي.
• ألا تشعرين بأن العمل بالتدريس والعمل في الوظيفة العمومية يتنافى مع التوجه الثقافي والأدبي؟
•• التنافي ليس أمراً محتوماً بل هو تحدّ شخصي وتنظيمي، ويعتمد على كيفية إدارة الموظف لوقته وطاقته، والوظيفة العمومية هي مصدر إلهام وليس عائقاً، إلا إذا سمحنا لها بابتلاعنا، وبالنسبة لي يعتبر التعليم القدوة والرسالة والامتداد لدور المثقف التنويري، أن تكون معلماً أو أستاذاً فهو فعل ثقافي بحد ذاته يساهم في تشكيل الوعي.
• ما حال الثقافة المغربية اليوم؟
•• شأن غيرها من الثقافات العربية، مشهدها يتأرجح بين جذور ضاربة في القدم، وتحديات التحول الرقمي، وإكراهات بنيوية ومؤسساتية وصراع بين الأصالة والمعاصرة، لكن يمكن أن نجزم بأنها ليست في أزمة وجود، فهي كائن حي متجذر ولها حضور دولي وانفتاح مبني على احترام للهوية الوطنية وليس مجرد استهلاك لمنتجات ثقافية وافدة.
• لماذا ليس لديكِ اشتغالات فكرية، رغم أن المنتج الثقافي المغربي غالباً فكري؟
•• لا يمكن تعميم هذه الصفة على كل الإنتاج المغربي، لأنه ليس فكرياً بالمعنى الجاف والمجرد بل يمكن أن نقول إنه منتج إبداعي مسكون بالفكر، لأن الهوية المغربية تتغذى على التساؤل والتحليل والبحث عن المعنى، مما يجعل من الصعب فصل الإبداع عن الفكر في السياق المغربي. وأحاول دائماً الموازنة بين التعبير العاطفي في الشعر والنقد الفكري في مقالاتي، وهذه ليست مجرد تقنية، بل موازنة لرؤية متزنة وعميقة لحماية العاطفة من السيولة والضياع من جهة، وحماية المنطق من التحجر والجفاف من جهة أخرى، وهي توليفة يمكن اعتبارها فعل مقاومة إذا صح المعنى.
• لمن تقرئين من الكتّاب السعوديين؟
•• الكتابة في السعودية اليوم في مرحلة ازدهارها مدفوعة بتحولات اجتماعية وثقافية كبرى تثير شهية القراء والمتلقين وأنا منهم، والمشهد السعودي غني بأسماء أثرت الساحة الثقافية والمكتبة العربية ومن الصعب الإشارة إلى اسم بعينه، إلا أنني أهتم بكتابات الروائية «رجاء عالم» التي استطاعت نقل الأدب السعودي إلى العالمية، معتمدة على الخيال والترميز الفني، وكتابات «سلطان الموسى» الذي يركز على الطرح الجدلي في القضايا الاجتماعية والدينية والحوارات الحضارية.
• هل من مقاربة بين نظرة المثقف المغربي إزاء المشرقي؟
•• العلاقة بين المثقف المغربي ونظيره المشرقي، أو ما يعرف بجدلية المشرق والمغرب هي موضوع غني بالتعقيدات التاريخية والثقافية ويمكن تأطيرها في عدة مستويات جوهرية بدءاً بإشكالية المركز والهامش التي سادت التصور الثقافي العربي باعتبار المشرق هو مركز الإشعاع والمغرب كهامش، ومروراً بالتفاعل مع الحداثة والمنهجيات، فالمثقف المشرقي انفتح تاريخياً على الترجمة والتأثر بالمدارس الكلاسيكية والواقعية الاشتراكية، في حين انفتح المثقف المغربي مبكراً على المنهجيات البنيوية والتفكيكية الفرنسية، هذا خلق ما يسمى بالتفوق المنهجي إذ يرى المثقف المغربي نفسه أكثر قدرة على تقديم قراءات نقدية علمية للنصوص والتراث متحرراً من الرومانسية المشرقية، زيادة على الصدام بين الأصالة والاستلاب، فالمثقف المغربي يتهم المشرقي بالإغراق في الإنشائية والخطاب العاطفي، والمشرقي يتهمه بالتغريب لصعوبة استيعابه منجزه، وانتهاء بالتغير في موازين القوة الثقافية خصوصاً في العقدين الأخيرين اللذين أصبح فيهما المغرب مصدراً للنظريات النقدية، ومشاريع التحديث الفكري. لكن يمكن وصف العلاقة اليوم بأنها انتقلت إلى مرحلة تفاعلية ووصلت إلى أرقى مراحل النضج الثقافي؛ قائمة على الاحترام، بعيدة عن ثنائيات المركز والهامش والتبعية والندية الاستعلائية، لأن الإبداع الحقيقي لا يعترف بالحدود، والشاعر أو الناقد الذي يمتلك أذناً تعي إيقاع المشرق، وعقلاً يحلّل بمنهجية مغربية، هو في النهاية مثقف عربي كلّي، لا تغلقه الأسوار.












