نشرت في
لم يعد الأرق مجرد إزعاج ليلي يعاني منه البعض، بل تحول إلى أزمة صحية عالمية طارئة. فبحسب الأبحاث، يعاني ثلث سكان العالم من مشكلات النوم المزمنة، سواء كانت حرماناً، أو صعوبة في الخلود إلى النوم، أو استيقاظاً متكرراً أثناء الليل، وهو ما يخلف آثاراً صحية واجتماعية واقتصادية مدمرة.
اعلان
اعلان
وقد دعا فريق بحثي دولي يضم باحثين من معهد علوم الأعصاب والطب السلوكي في مركز يوليش للأبحاث بألمانيا إلى تجاوز النظرة التقليدية للنوم كقضية فردية، واعتباره “أولوية صحية عالمية” بامتياز.
وفي دراسة نشرتها مجلة Cell Reports Medicine، كشف الباحثون للمرة الأولى عن مفهوم ثوري أطلقوا عليه اسم “صحة النوم الواحدة” (One Sleep Health)، وهو إطار مبتكر يربط بين صحة النوم لدى البشر والعوامل البيئية والتحولات المجتمعية.
ويتجاوز المفهوم الإنسان ليشمل الحيوانات أيضاً، إذ تؤثر العوامل ذاتها – كالإضاءة الاصطناعية، والضوضاء، والحرارة، واضطراب الإيقاع اليومي – في الأنماط البيولوجية للحيوانات، ما ينعكس بدوره على الإنسان والأنظمة البيئية بأكملها.
النوم ليس ترفاً بل شرط للبقاء
ويشرح الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور مسعود طهماسيان، أن “النوم ليس شأناً شخصياً فحسب، بل شرط أساسي للصحة والإنتاجية وقدرة المجتمعات على الصمود”.
ويحذر طهماسيان من أن البيئة الحديثة باتت تبتعد تدريجياً عن الظروف البيولوجية التي تسمح بنوم صحي، مشيراً إلى أن كلفة اضطرابات النوم في خمس دول صناعية وحدها تصل إلى نحو 680 مليار دولار سنوياً، نتيجة التغيب عن العمل، وانخفاض الإنتاجية، وارتفاع النفقات الصحية.
ويصف الباحثون ما يحدث بأنه “وباء صامت” يتمثل في تدهور صحة النوم عالمياً، ويعزون ذلك إلى تراكم عوامل متعددة على مدى حياة الإنسان، أو ما يُعرف بـ”الإكسبوزوم” (Exposome).
وتشمل هذه العوامل: ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن التغير المناخي، والتلوث الضوئي والهوائي والضوضائي، إلى جانب العمل بنظام المناوبات، والاتصال الرقمي الدائم، والتفاوت الاجتماعي، فضلاً عن التوتر، وقلة النشاط البدني، وسوء التغذية، واستهلاك الكحول والتبغ والكافيين.
وتشير الدراسات إلى أن ارتفاع درجات الحرارة ليلاً قد يؤدي إلى تراجع مدة النوم على مستوى العالم، مع توقعات بخسارة تتراوح بين 50 و58 ساعة نوم سنوياً للفرد بحلول نهاية القرن الحالي. وهذا ليس مجرد رقم، بل كارثة صحية صامتة تتكشف ليلاً.
وتتجاوز آثار النوم السيئ مجرد الشعور بالإرهاق اليومي. فالأبحاث تربطه بشكل قاطع بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والسكري، والاكتئاب، واضطرابات القلق، والالتهابات المزمنة، وحتى الأمراض العصبية التنكسية مثل مرض ألزهايمر. وباختصار، فإن النوم السيئ ليس مجرد ليلة عصيبة، بل هو قنبلة موقوتة لصحة الإنسان والمجتمع












