نشرت في
وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، الثلاثاء، في أول زيارة له إلى البلاد منذ عشر سنوات، في وقت تشهد فيه العلاقات بين بكين والقاهرة مسارًا متناميًا يتجاوز التعاون الاقتصادي إلى ما هو أبعد.
اعلان
اعلان
ويمكن القول إن الاستقبال المهيب الذي حظي به من قبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي لا يمكن اختزاله في لحظة بروتوكولية عابرة، إذ إنّ توقيته قد يبعث بإشارات مقلقة إلى البيت الأبيض. فبينما ينشغل الرئيس دونالد ترامب بالحرب مع إيران، يتجه العملاق الآسيوي إلى إحدى نقاط الارتكاز التقليدية للنفوذ الأميركي في المنطقة: القاهرة.
مصر تبحث عن شريك يتجاوز التجارة
في السنوات الأخيرة، سعت القاهرة إلى توسيع دائرة شركائها الاقتصاديين والسياسيين، في محاولة لتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة وأوروبا. فانضمت إلى مجموعة بريكس عام 2023، ووقعت في العام التالي اتفاقات لتعزيز تعاونها مع الصين ضمن مبادرة الحزام والطريق أو ما يُعرف بـ”طريق الحرير”.
لكن طموح القاهرة اليوم يتجاوز التجارة أو تمويل مشاريع البنية التحتية. فمع زيارة شي، يبرز توجه نحو جذب الاستثمارات الصينية إلى قطاعات الإنتاج نفسها، بما يتيح نقل التكنولوجيا والخبرات، ويدمج الشركات الصينية بصورة أعمق في الاقتصاد المصري.
وفي هذا السياق، يقول المحلل المقيم في بكين إينار تانغن لوكالة “الأناضول” إن مصر تريد الانتقال من نموذج يعتمد على استيراد السلع الصينية وتمويل مشاريع البنية التحتية، إلى نموذج يصبح فيه رأس المال والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد الصينية جزءًا من عمليات الإنتاج داخل البلاد.
ويؤيد هذا الطرح ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، الذي يرى أن الاستثمارات الصينية في المصانع يمكن أن تمنح الاقتصاد المصري فرصة للاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الصينية، فضلًا عن تطوير قدراته الإنتاجية.
وبالنظر إلى الأرقام، تبدو العلاقة الاقتصادية بين البلدين آخذة في التحسّن، فقد استثمرت الصين أكثر من 10 مليارات دولار في مصر، فيما بلغ حجم التجارة نحو 20 مليار دولار سنويًا، مقارنة بـ15.7 مليار دولار فقط لحجم التجارة بين مصر والولايات المتحدة عام 2025.
قناة السويس.. أكثر من ممر للشحن
وفي هذا السياق، تبرز أهمية قناة السويس بالنسبة إلى بكين، ليس فقط باعتبارها ممرًا تجاريًا، بل بوصفها جزءًا من منظومة أوسع يمكن أن تعزز حضور الشركات الصينية في المنطقة.
فموقع مصر، عند ملتقى آسيا وأفريقيا وأوروبا، يمنح تلك الشركات قاعدة مناسبة للتصنيع وإعادة التصدير، إلى جانب الاستفادة من سوق محلية كبيرة وقوة عاملة واسعة.
وينعكس هذا التوجه بوضوح في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تسعى بكين إلى تطويرها بما يتجاوز الأنشطة المرتبطة بالنقل والشحن.
ويشرح تانغن ذلك بالقول إن الصين تتطلع إلى تحويل هذه المنطقة إلى منظومة صناعية متكاملة تضم التصنيع والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية، بما يعزز اندماج الشركات الصينية في الاقتصاد المصري.
ويصبّ هذا المسار ضمن مبادرة الحزام والطريق، إذ يتيح للشركات الصينية، تنويع مواقع الإنتاج وتقليل مخاطر اضطرابات التجارة العالمية الناجمة عن الرسوم الجمركية والعقوبات والتوترات الجيوسياسية.
وتأخذ هذه المعادلة بعدًا استراتيجيًا إضافيًا مع اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ تكتسب قناة السويس أهمية أكبر بوصفها أحد الممرات الرئيسية التي تربط أسواق المنطقة بالتجارة العالمية.
على الصعيد المالي
يتيح اتفاق مبادلة العملات بين البنكين المركزيين المصري والصيني، بقيمة 30 مليار يوان، تسوية جزء من التجارة الثنائية بالعملة الصينية، بما يقلل الحاجة إلى الدولار في بعض المعاملات. ويرى تانغن أن القاهرة قد تتوسع في استخدام أدوات التمويل المقومة باليوان، وهو ما قد يساعدها على تنويع مصادر التمويل وتقليص انكشافها على الديون المقومة بالدولار.
وفي قطاع الطاقة، تبلغ قدرة مشروع سايني لطاقة الرياح 2000 ميغاواط، فيما يرتبط المشروع أيضًا بتصنيع توربينات الرياح داخل مصر. ويرى تانغن أن الجمع بين تنفيذ المشروع وتصنيع معداته محليًا يعكس انتقال التعاون إلى مستوى يتجاوز استيراد التكنولوجيا الصينية، نحو اكتساب الخبرات وتطوير قدرات إنتاجية مرتبطة بها داخل مصر.
كما تشمل المشاريع الصينية في مصر قطاعات الموانئ والسكك الحديدية والنقل الكهربائي والبنية التحتية الرقمية، في حين تعمل القاهرة على زيادة صادراتها الزراعية والغذائية إلى الصين. ويشير ذلك إلى أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين لا تتحرك في اتجاه واحد، بل تقوم على استثمارات صينية في مصر تقابلها محاولات مصرية لزيادة حضور منتجاتها في السوق الصينية.
تعاون عسكري.. لكن بلا تحالف
والجدير بالذكر أن التعاون بين البلدين لم يعد مقتصرًا على الشق الاقتصادي، إذ امتد في السنوات الأخيرة إلى المجال العسكري. ففي أغسطس، أجرت الصين ومصر أول مناورة جوية قتالية بمشاركة مقاتلات صينية من طراز J-16 وطائرات رافال المصرية.
ويرى تانغن أن هذه المناورات تؤشر إلى اتساع التعاون العسكري، لكنه يستبعد أن تتجه الدولتان إلى إبرام معاهدة دفاع مشترك، مشيرًا إلى أن الصين تتجنب تقليديًا الدخول في تحالفات عسكرية رسمية.
اتساع الحضور الصيني يثير تساؤلات في واشنطن وتل أبيب
في ذات الوقت، فإن الشراكة بين القاهرة وبكين لا تخلو من حسابات جيوسياسية، فكلما اتسع الحضور الصيني في مصر، ولا سيما في محيط قناة السويس، برزت تساؤلات في واشنطن وتل أبيب بشأن تنامي نفوذ قوة كبرى منافسة للولايات المتحدة في منطقة حيوية لأمنهما ومصالحهما.
وتزداد حساسية هذا الحضور في ظل العلاقات الاقتصادية المتنامية بين الصين وإيران. فبكين تشتري أكثر من 90% من شحنات النفط الإيرانية، غالبًا عبر قنوات غير مباشرة، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة فرض ضغوط اقتصادية على طهران. وتؤكد الصين في المقابل أن تجارتها مع إيران ملتزمة بالقانون الدولي.
وفي هذا السياق، لا ينظر إلى التوسع الصيني في مصر بمعزل عن الدور الذي تحاول بكين ترسيخه في المنطقة. فقد توسطت الصين عام 2023 في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية، كما دأبت على دعم حل الدولتين للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، في محاولة لتقديم نفسها لاعبًا سياسيًا واقتصاديًا قادرًا على أداء دور يتجاوز التجارة والاستثمار.
وبالتالي، فإن تحول مصر إلى مركز صناعي ولوجستي أكثر ارتباطًا بالصين يضيف بُعدًا جديدًا إلى المنافسة على النفوذ في الشرق الأوسط، خصوصًا مع تزايد أهمية الممرات التجارية والبنية التحتية وسلاسل الإمداد في حسابات القوى الكبرى.












