أعرب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان عن قلق بالغ إزاء تدهور الوضع الأمني والإنساني في مدينة الأبيض، محذراً من أن استمرار التصعيد في المنطقة قد يعرّض آلاف المدنيين لمخاطر جسيمة، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية في البلاد مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
اعلان
اعلان
وفي إحاطة قدمها للصحفيين في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم الأربعاء، قال المبعوث بيكا هافستو إن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تشهد في الأيام الأخيرة تصاعداً في وتيرة الأعمال القتالية، بما في ذلك هجمات متكررة بطائرات مسيّرة.
وأضاف أن “الأعمال العدائية المستمرة حول المدينة، بما في ذلك الضربات المتكررة بالطائرات المسيّرة، بدأت تؤثر على المدنيين وعلى وصول المساعدات الإنسانية إلى المدينة”، محذراً من أن “أي تصعيد إضافي سيضع آلاف الأشخاص في دائرة الخطر”.
تحذيرات من تكرار سيناريو دارفور
وأشار هافستو إلى أن التطورات في الأبيض ومحيطها تعيد إلى الأذهان ما حدث في إقليم دارفور ومحيط مدينة الفاشر.
وقال إن “الوضع يذكّرنا إلى حد ما بالتطورات السابقة في دارفور وحول الفاشر، ويؤكد وجود مخاطر فورية على السكان المدنيين”.
وتُعد مدينة الأبيض نقطة استراتيجية تربط وسط السودان بغربه، فيما يجعل من السيطرة عليها أو الدفاع عنها هدفاً في تحديد مسار الحرب المستمرة بين الطرفين منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وتتعرض المدينة الخاضعة لسيطرة الجيش لقصف متواصل بالطائرات المسيّرة من قبل قوات الدعم السريع. ويأتي هذا التصعيد العسكري في عاصمة ولاية شمال كردفان بالتزامن مع حصار مشدد وتحشيدات عسكرية متواصلة تنفذها القوات ذاتها، في إطار محاولاتها لاقتحام المدينة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن القصف المستمر أسفر عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين وتدمير واسع في البنية التحتية والمرافق الحيوية، حيث خرجت معظم محطات الوقود ومنشآت الطاقة عن الخدمة، وفي مقدمتها محطة الكهرباء التحويلية، مما أغرق المدينة في ظلام دامس. وقد ألقى هذا الانقطاع الكامل بظلاله الكارثية على القطاع الصحي، مهدداً تشغيل المستشفيات، ومراكز الطوارئ، ووحدات غسيل الكلى، إلى جانب تسببّه في توقف إمدادات مياه الشرب، مما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية للسكان.
وكانت المدينة قد تحولت إلى ملاذ آمن لمئات الآلاف من النازحين الفارين من ولايات غرب وجنوب كردفان وإقليم دارفور، لينضموا إلى سكان المدينة الأصليين الذين يتجاوز عددهم الـ 600 ألف نسمة.
اتصال بين المبعوث الأممي وحميدتي
وكشف المبعوث الأممي أنه أجرى اتصالاً هاتفياً يوم الجمعة مع قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، تناول تطورات الأوضاع في مدينة الأبيض. وبحسب هافستو، فقد أكد حميدتي أن قواته لا تنوي استهداف المدنيين، وأنها تعمل على حماية الممرات الإنسانية المؤدية إلى المدينة.
وأوضح هافستو أن “استخدام الطائرات المسيّرة في هذا الصراع يتزايد، وكذلك الهجمات بالطائرات المسيّرة ضد المدنيين والبنية التحتية المدنية”، مضيفاً أن هذه الأسلحة لا تُصنّع داخل السودان.
ورغم استمرار العمليات العسكرية، أشار المبعوث الأممي إلى ما وصفه بتطور إيجابي على المستوى السياسي، يتمثل في استئناف الاتصالات بين القوى السودانية بعد سنوات من الانقطاع، في إطار جهود دولية وإقليمية تقودها “اللجنة الخماسية” التي تضم الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة.
وقال هافستو إن هذه اللجنة نجحت في عقد اجتماعات جمعت أحزاباً سياسية سودانية وممثلين عن المجتمع المدني، موضحاً أن الاجتماع الأول عُقد في برلين، تلاه اجتماع آخر في أديس أبابا، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة للحل السياسي.
وأضاف: “هذه هي المرة الأولى منذ ثلاث سنوات التي تجتمع فيها الأحزاب والقوى السياسية لمحاولة حل النزاع وإيجاد أرضية مشتركة لعملية السلام في السودان”.
وفي إطار التحركات الدبلوماسية المقبلة، أعلن المبعوث الأممي عزمه مواصلة الاتصالات مع الأطراف السودانية والإقليمية، بما في ذلك زيارات إلى نيروبي، وإجراء مشاورات مع دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان وأوغندا، التي تلعب أدواراً مؤثرة في مسار النزاع.
كما جدد دعم الأمم المتحدة لجهود المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، بهدف التوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة من شأنها تخفيف معاناة المدنيين وتحسين إيصال المساعدات الإنسانية.
وفي ما يتعلق بإمكانية إنهاء الحرب، أقر المبعوث الأممي بأن طرفي النزاع لا يزالان يعتقدان بإمكانية تحقيق مكاسب عسكرية، وهو ما يطيل أمد الصراع ويزيد من تعقيد فرص الحل السياسي.
وأوضح أن “الصراع يستمر طالما يعتقد أحد الأطراف أنه قادر على تحقيق أهدافه عبر الوسائل العسكرية”، مضيفاً أن هذا المنطق يعرقل أي تسوية سياسية دائمة.
غير أن هافستو أشار في المقابل إلى أن عدداً متزايداً من الدول الإقليمية بات يرفض فكرة الحل العسكري، مؤكداً أنه تلقى رسائل واضحة خلال زياراته الأخيرة إلى دول الخليج تفيد بأن التسوية السياسية هي الخيار الوحيد الممكن.
مجاعة وشيكة في الأبيّض
على الصعيد الإنساني، تتزايد المؤشرات على تفاقم الأزمة المعيشية داخل الأبيّض، حيث حذر رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان، محمد رفعت، من أن المدينة قد تدخل مرحلة المجاعة خلال أسابيع قليلة إذا استمر الحصار الحالي ولم تُفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الغذائية والطبية بشكل عاجل.
وتفاقمت الأزمة المعيشية في ظل تهاوي توفر السلع، حيث التهبت الأسعار لتسجل زياداتٍ بلغت في حدها الأقصى 300% خلال شهرين فقط، مما وضع السكان أمام واقعٍ قاسٍ من الندرة والغلاء.
وتحذر وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية من أن أزمة الجوع في السودان تتجه نحو التحول إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، إذا استمرت الحرب الحالية دون حلول سياسية أو استجابة إنسانية واسعة النطاق.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي ما يعادل اثنين من كل خمسة سودانيين، يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي خلال الفترة الممتدة بين فبراير/شباط ومايو/أيار 2026.
كما جرى تصنيف أكثر من خمسة ملايين شخص ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة الطوارئ، بينما يواجه نحو 14 مليون شخص المرحلة الثالثة، المعروفة بمرحلة الأزمة. في المقابل، يعيش نحو 135 ألف شخص بالفعل ظروف المرحلة الخامسة، وهي أعلى مستويات التصنيف وتشير إلى الكارثة أو المجاعة.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، قُتل عشرات الآلاف من الأشخاص، فيما أجبر ملايين السودانيين على النزوح داخل البلاد وخارجها، في أزمة تصفها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ عالمياً من حيث حجم الاحتياجات الإنسانية.
كما أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا من مدن إقليم كردفان وحده منذ تصاعد القتال في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، في مؤشر على اتساع رقعة الأزمة وتفاقم تداعياتها الإنسانية.












