بقلم: يورونيوز
نشرت في
اعتبر بول موسغريف، الأستاذ المشارك في العلوم السياسية بجامعة جورجتاون في قطر، أن الحرب الأمريكية ضد إيران تمثل هزيمة استراتيجية أكبر من تلك التي مُنيت بها الولايات المتحدة في حرب فيتنام.
اعلان
اعلان
وفي مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي”، قال موسغريف إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حقق، بشكل غير مقصود، هدفه المعلن بأن يُذكر عهده باعتباره من أكثر المراحل تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة، لكن ليس بسبب الإنجازات السياسية، وإنما نتيجة الخسارة التي تكبدتها واشنطن في حرب اختار الرئيس الأمريكي خوضها ضد إيران.
وأكد موسغريف أن الصراع ألحق أضراراً مباشرة بالمصالح الأمريكية الأساسية وأضعف مكانة واشنطن على الساحة الدولية بصورة قد تستمر آثارها لعقود.
وأوضح الكاتب أن الحرب جاءت بقرار سياسي إرادي، رغم وجود أطراف عدة شجعت الإدارة الأمريكية على المضي فيها، معتبراً أن المسؤولية النهائية بقيت على عاتق ترامب، وأن نتائجها تحولت إلى كارثة استراتيجية تفوق، في نظره، تداعيات الهزيمة الأمريكية في فيتنام.
وأشار إلى أن هذه الحرب تختلف ظاهرياً عن الحروب الأمريكية التقليدية، إذ لم تشهد الولايات المتحدة مشاهد الصدمة الوطنية التي رافقت حروباً سابقة، ولم تتعرض أراضيها لهجمات مباشرة، كما لم تشهد احتجاجات شعبية واسعة أو عمليات تجنيد إجباري أثارت انقسامات داخلية.
وأضاف أن سرعة الحرب وبعدها الجغرافي منحتاها طابعاً غير مألوف، لافتاً إلى أنه عاش بنفسه جزءاً من أحداثها في العاصمة القطرية الدوحة، حيث كان يشاهد ويسمع الصواريخ تعبر الأجواء، بينما كانت الحياة اليومية تستمر بشكل طبيعي، وهو ما جعله يتساءل مراراً عما إذا كانت المنطقة التي يوجد فيها بالفعل منطقة حرب.
ورغم محدودية الخسائر الأمريكية البشرية مقارنة بحروب سابقة، شدد الكاتب على أن ذلك لا يجب أن يحجب حجم الهزيمة التي تعرضت لها الولايات المتحدة.
وأوضح أن آلاف الإيرانيين، من مدنيين وعسكريين، سقطوا خلال المعارك، بينما بقي عدد القتلى الأمريكية محدوداً نسبياً، وهو ما قد يدفع بعض الأمريكيين إلى التقليل من أهمية نتائج الحرب.
ولفت إلى أن المقارنة مع حرب فيتنام تكشف مفارقة أساسية، إذ إن تلك الحرب خلفت ملايين الضحايا في جنوب شرق آسيا على مدى أكثر من عقد من الزمن، بينهم نحو 60 ألف جندي أمريكي، وتحولت لاحقاً إلى أحد أكثر الأحداث إيلاماً في الذاكرة الجماعية الأمريكية.
وبيّن أن حرب فيتنام أصبحت رمزاً لفشل سياسي وعسكري كبير داخل الولايات المتحدة، حتى إن استطلاعات الرأي أظهرت أن غالبية الأمريكيين ينظرون إليها باعتبارها لحظة مظلمة في تاريخ بلادهم، إلا أن تأثيرها الاستراتيجي النهائي بقي محدوداً نسبياً على مكانة واشنطن العالمية.
وأوضح أن الولايات المتحدة تمكنت، رغم خسارتها في فيتنام، من تحقيق أهدافها الكبرى لاحقاً عبر الانتصار في الحرب الباردة، كما أن فيتنام نفسها أصبحت اليوم دولة ترتبط بعلاقات جيدة مع واشنطن.
في المقابل، يرى موسغريف أن الحرب ضد إيران ألحقت ضرراً مباشراً بالمصالح الأمريكية الجوهرية، إذ خرجت الولايات المتحدة منها وهي في موقع أضعف مما كانت عليه قبل اندلاع الصراع.
وأشار إلى أن الأداء العسكري الأمريكي، رغم تفوقه التكنولوجي، كشف عن نقاط ضعف كبيرة، أبرزها محدودية المخزونات العسكرية الأمريكية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول قدرة واشنطن على خوض نزاعات طويلة أو مواجهة خصوم أكبر وأكثر قوة مستقبلاً.
وأضاف أن الحرب كشفت أيضاً حدود فعالية أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية، إذ تمكنت إيران، رغم الضربات المكثفة، من اختراق بعض تلك المنظومات وتحقيق تأثيرات ملموسة، ما أثار تساؤلات بشأن مدى قدرة هذه الأنظمة على الصمود أمام خصوم يمتلكون قدرات عسكرية أكبر أو في حال امتدت الحرب لفترات أطول.
ورأى الكاتب أن النتائج السياسية كانت أكثر قتامة، إذ لم تؤد الحرب إلى إضعاف النظام الإيراني بالشكل الذي كانت تأمله واشنطن، بل دفعت البلاد إلى مزيد من التشدد، وعززت نفوذ الحرس الثوري داخل مؤسسات الدولة.
كما اعتبر أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية، رغم نجاحها التكتيكي في بدايات الحرب، أثبتت محدودية الحلول العسكرية في التعامل مع الملف النووي الإيراني، مشيراً إلى أن البرنامج النووي الإيراني تمكن من الصمود أمام جولتين من الضربات المشتركة، ما يجعل تكرار السيناريو نفسه مستقبلاً أقل جدوى.
وأشار كذلك إلى أن الحرب أضعفت صورة القيادة الأمريكية على المستوى الدولي، خاصة أن حلفاء واشنطن الإقليميين تحملوا جزءاً كبيراً من كلفة المواجهة، في حين اكتشفت إيران أن قدرتها على تهديد الملاحة عبر مضيق هرمز تمنحها ورقة ضغط اقتصادية عالمية مؤثرة.
وأكد أن حرية الملاحة البحرية تمثل أحد أقدم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة منذ أكثر من قرنين، وبالتالي فإن أي تهديد مستمر لمضيق هرمز قد يؤدي إلى تحويل طرق التجارة الدولية إلى أدوات ضغط جيوسياسي تحمل تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي.
وختم موسغريف مقاله بالتأكيد على أن الولايات المتحدة ستضطر خلال السنوات المقبلة إلى التعامل مع تداعيات هذه الحرب وهي في وضع أكثر هشاشة داخلياً وخارجياً، إذ ستتراجع ثقة الحلفاء بقدراتها، وستصبح الشعوب الأمريكية أقل استعداداً لتحمل أعباء التدخلات الخارجية، بينما سيجد خصوم واشنطن فرصة أكبر لتحدي نفوذها العالمي.
واعتبر أن هذه التداعيات ستكون أكثر عمقاً واستدامة من آثار حرب فيتنام، مضيفاً أن الأجيال المقبلة ستنظر إلى هذا الصراع بالطريقة نفسها التي ينظر بها الأمريكيون اليوم إلى حرب فيتنام، وستطرح السؤال ذاته الذي ظل مطروحاً لعقود: لماذا خاضت الولايات المتحدة هذه الحرب أساساً؟












