بقلم: محمد نشبت مع يورونيوز
نشرت في
سجّلت وزارة الصحة في قطاع غزة أكثر من أربعة آلاف حالة ولادة مبكرة في النصف الأول من عام 2025، فيما حذّرت في يونيو من العام ذاته من أن 580 مولودا من الخدّج يواجهون خطر الموت مباشرةً جرّاء نفاد مخزونات الحليب العلاجي في مستشفيات القطاع.
اعلان
اعلان
أزمة الغذاء في غزة لم تعد تقتصر على نقص الوجبات الساخنة أو الطحين، بل امتدت إلى مادة تتوقف عليها حياة فئة هي من أكثر الفئات هشاشةً: الرضّع الذين يعتمدون على أنواع خاصة من الحليب العلاجي أو المخصص لحالات طبية محددة.
نفاد الحليب يضاعف المخاطر الصحية
في أقسام الأطفال بمستشفى أصدقاء المريض في مدينة غزة، تحذّر الطبيبة سماح حرارة من تصاعد المخاطر التي يواجهها الأطفال المرضى والخدّج. وتقول إن حرمان الرضّع المصابين بسوء التغذية من الحليب الخاص “يشكّل خطراً مباشراً على حياتهم”، موضحةً أن هذا النوع يوفّر البروتينات والفيتامينات ومصادر الطاقة اللازمة للنمو وتعزيز المناعة.
وتضيف الطبيبة أن انقطاعه يؤدي إلى تفاقم سوء التغذية وضعف المناعة لدى الرضّع، “وقد يصل التدهور في بعض الحالات إلى الوفاة”. وتشير الدكتورة سماح حرارة إلى أن كثيراً من العائلات تلجأ إلى بدائل غير مناسبة، كالحليب المخفف أو أنواع لا تتلاءم مع عمر الطفل أو وضعه الصحي، وهو ما يتعارض مع بروتوكولات منظمة الصحة العالمية ويفتح الباب أمام مضاعفات إضافية.
في المستشفى ذاته، يؤكد أحمد شحادة، المسؤول الإداري، أن الكميات المحدودة التي دخلت القطاع من الحليب العلاجي والمخصص للحالات الخاصة “لا تلبي الاحتياجات الفعلية”، مشيراً إلى أن القيود المستمرة على دخول الإمدادات تُسهم مباشرةً في تدهور أوضاع الأطفال المرضى وتزيد من احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة.
ولطالما نفت الحكومة الإسرائيلية مسؤوليتها عمّا آل إليه الوضع في القطاع متهمة حركة حماس بالوقوف وراء تفاقم سوء التغذية من خلال استيلائها على المساعدات.
سوء تغذية وتحذيرات أممية
هذه التحذيرات التي يطلقها أطباء فلسطينيون تدعمها أرقام الهيئات الدولية. فوفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، سُجّلت 5119 حالة سوء تغذية حادة بين الأطفال من عمر ستة أشهر حتى خمس سنوات خلال شهر مايو 2025 وحده، بينهم 636 حالة من سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أخطر أشكاله وأكثرها تهديداً للحياة. ويمثّل هذا الرقم ارتفاعاً بنسبة 150% مقارنةً بشهر فبراير من العام ذاته، حين كانت الهدنة بين إسرائيل وحماس سارية ودخول المساعدات أكثر انتظاماً. وحذّرت المنظمة من أن أكثر من 320 ألف طفل دون سن الخامسة باتوا في دائرة الخطر، في وقت تتراجع فيه القدرة على توفير الأغذية العلاجية والحليب المتخصص.
حالة الطفل محمد حمادة.. مأساةٌ بدأت قبل الولادة
ولا تقتصر آثار هذه الأزمة على ما بعد الولادة، بل تبدأ في كثير من الحالات خلال فترة الحمل. في أحد أقسام الأطفال بمستشفى أصدقاء المريض، يروي يوسف شعبان، خال الطفل محمد حمادة، قصة ابن شقيقته الذي يعاني من فقر الدم وسوء التغذية منذ ولادته. يقول إن والدة الطفل “عانت من سوء التغذية خلال فترات المجاعة التي شهدها القطاع أثناء الحرب، مما انعكس على صحة الجنين قبل ولادته”. وُلد محمد بوزن أقل من الطبيعي وبمؤشرات صحية غير مستقرة، ويحتاج إلى حليب خاص يعوّض النقص الغذائي الذي ورثه من الرحم.
“هذا الحليب غير متوفر بشكل دائم”، يقول شعبان، “إما بسبب نفاد الكميات أو بسبب محدودية ما يدخل إلى القطاع، وحتى عندما يتوفر تكون أسعاره مرتفعة بشكل يفوق قدرة كثير من العائلات”. ويضيف أن الطفل يقضي معظم وقته داخل المستشفى نتيجة المضاعفات الصحية المتراكمة جراء سوء التغذية وضعف المناعة، معرباً عن مخاوفه من أن يؤدي استمرار نقص الحليب العلاجي إلى مزيد من التدهور في حالته.
وتكشف بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان “يونفبا” (UNFPA) أن أكثر من 40% من النساء الحوامل والمرضعات في قطاع غزة يعانين من سوء التغذية، مما يحدّ من قدرتهن على الإرضاع الطبيعي ويزيد اعتماد الأطفال على الحليب الصناعي والمكملات الغذائية الشحيحة أصلاً.
وتعكس هذه الأرقام واقعاً ترصده المنظمات الدولية على أرض القطاع. فقد حذّرت منظمة “أطباء بلا حدود” في تموز الماضي من أن معدلات سوء التغذية بلغت “أعلى مستوياتها على الإطلاق” في اثنتين من منشآتها داخل غزة وقت المجاعة. فيما أكّد مدير مستشفى الرنتيسي للأطفال أن المستشفى يحتاج 500 علبة شهرياً من الحليب العلاجي، غير أن المخزون المتاح بات “شحيحاً للغاية”، مسجّلاً حالات وفاة مرتبطة مباشرة بغياب الحليب المناسب. وأفادت يونيسف بأن ما تبقّى من حليب الأطفال الجاهز للاستخدام في وسط غزة وجنوبها لا يكفي سوى 400 طفل لمدة شهر واحد، في حين تُقدّر المنظمة أن قرابة 10 آلاف رضيع دون سن الستة أشهر يحتاجون إلى تغذية تكميلية.
وحذّرت منظمة الصحة العالمية من أن واحداً من كل خمسة أطفال دون سن الخامسة في مدينة غزة يعانون من سوء التغذية، مُسجّلةً 63 وفاة مرتبطة بالتجويع في يوليو 2025 وحده، من بينهم 24 طفلاً.
ومع استمرار القيود على دخول الإمدادات وتآكل المخزون الطبي والغذائي، لم يعد نفاد حليب الأطفال العلاجي مجرّد أزمة إمداد. محمد حمادة لا يزال داخل مستشفى أصدقاء المريض بانتظار الحليب الذي يحتاجه للنمو والبقاء بصحة مستقرة. لكن قصته ليست استثناءً، إذ يحذر الأطباء من أن آلاف الرضع في غزة باتوا أكثر عرضة للمضاعفات الصحية مع استمرار نقص الحليب العلاجي وتراجع الإمدادات الغذائية والطبية.












