نشرت في
تعود الحياة تدريجياً إلى مدينة صور. حركة المارة والسيارات تعيد الروح إلى شوارعها المطلّة على البحر، تلك التي ما تزال آثار الغارات الإسرائيلية بادية عليها.
اعلان
اعلان
وفيما يبدو وقف إطلاق النار هشاً، يختلف الأهالي في نظرتهم إلى المستقبل. فهل يستقرون في مدينتهم الساحلية العريقة، التي أنبثق منها اللون الأرجواني وأولى أحرف الأبجدية، أم أنهم ينتظرون جولة ثانية من القتال بين حزب الله وإسرائيل؟
في حديث مع “يورونيوز”، يقول المختار خليل حيدر حسن، القادم من قرية القليلة التي يمنع الجيش الإسرائيلي سكانها من العودة إليها، إنه غير متفائل. يشرح: “حسب ما نراه في الصورة، لا يوجد استقرار لوقف إطلاق النار. ترامب ونتنياهو متفقان على ذلك، والرئيس الأميركي يغيّر رأيه في كل لحظة”.
على بعد خطوات، عند مدخل السوق القديم، حيث باعة الذهب والسمك والقماش، تقف سلام الحاج موسى، القادمة من مخيم الرشيدية للاجئين. تتمنى هذه السيدة وأن يستتب وقف إطلاق النار وأن الحرب قد انتهت فعلاً فتقول: “لم يعد هناك طائل منها أو أهداف يمكن تحقيقها”. نفس الموقف تعبر عنه الشابة أوهيلا، ابنة صور، التي تعمل في متجر للملابس، وتشاطرها الأمل نفسه.
خلال الحرب، وللمرة الأولى منذ عقود، شملت أوامر الإخلاء الإسرائيلية مدينة صور بأكملها، بما في ذلك الحي المسيحي الواقع في قلب البلدة العتيقة.
بعدها بأيام، توالت الغارات على المدينة التي تتركب من نسيج اجتماعي وطائفي فريد. فهي تحتضن السنة والشيعة والمسيحيين معاً، وهو ما منحها حضوراً لافتاً في وسائل الإعلام العربية والعالمية، التي رصدت ما تتعرض له.
قرب الميناء يقف حيدر حاجو، صاحب مسمكة. في هذا المكان ترسو مراكب الصيادين القابعة بالمرفأ في حالة من الركود. إذ أصحاب تلك القوارب لم يجرؤوا على الإبحار بسبب الأوضاع المتوترة.
يقول حيدر إنه عاش ثلاث حروب حتى الآن، ويضيف: “التجربة تثبت أن إسرائيل لا تنسحب إلا بالقوة. وسيتكرّر ما حصل عام 2000” حين انسحبت الدولة العبرية من الشريط الحدودي الذي كان يعادل في المساحة نحو خمس لبنان وبعد 18 عاماً من الاحتلال.
ويحمل حاجو عتباً خاصًا إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، قائلاً: “مدينة صور مدينة التعايش، فيها طوائف وأديان تعيش بسلام. الرئيس لا يجب أن يفرّق بين مناطق اللبنانيين، وأن يأتي ويستمع لمطالب أهل الجنوب”.
في الأجواء، ثمة غصّة في حلق سكان المدينة الأثرية. إذ يشعر أهالي صور على غرار شريحة كبيرة من الجنوبيين بأن الدولة اللبنانية تركتهم لمصيرهم المحتوم. فهي لم تؤمّن خطة للنزوح، واتخذت قرارات سياسية يرونها خاطئة، أبرزها التفاوض المباشر مع إسرائيل بينما الحرب لا تزال مشتعلة. وذهب البعض إلى حد اتهام السلطات بالخيانة، قائلاً إن التاريخ “لا يخلّد جبناء أو عملاء” وفق تعبيره.
على مقربة من الميناء، يعمل وسام سرور، صاحب متجر مجوهرات، على إعادة فتح محله بعد عودته أمس إلى المدينة. يشيد بموقف أهالي الجنوب والذي يصفه بالصمود الأسطوري، وبالدور الإيراني و”المقاومة” وفق تعبيره، في إشارة إلى حزب الله. لكنه في الوقت نفسه يعبر عن أن الدولة اللبنانية “كان تعاملها غير إيجابي مع أهالي الجنوب”، معتبراً أن التفاوض المباشر مع إسرائيل يُعدّ “خطأ استراتيجياً للدولة”، والأهم من هذا هو “خطأ بحق الجنوبيين” وفق تعبيره.
وفي هذا المشهد المتقلب، تبقى مدينة صور معلّقة بين ذاكرة الحروب والرهان على السلام، بين ثقة الأهالي بصمودهم وشكوكهم في وعود السياسة.
وكانت هيئة البث الإسرائيلية قد كشفت عن نيّة الجيش الإسرائيلي سحب قواته بشكل جزئي ومتدرج من نقاط محددة في جنوب لبنان، على أن تتولى وحدات من الجيش اللبناني الانتشار عوضاً عنها. غير أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكد أن لإسرائيل حرية الحركة في لبنان، وهو ما يهدد الاتفاق الإقليمي وقد يذهب بالهدنة إلى مهب الريح.. فهل يصمد وقف إطلاق النار الهش هذا؟












