بقلم: يورونيوز
نشرت في
نشرت صحيفة “برافدا” الروسية مقالًا للخبير في الشؤون الإستراتيجية يوري بوتشاروف تناول فيه، وفق رؤيته، الأسباب التي تمنع تصاعد التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإيران إلى صدام عسكري مباشر، رغم ارتفاع منسوب التهديدات وتكثّف التحركات العسكرية في المنطقة.
هجوم استباقي؟
ويشير الكاتب إلى أن الأسابيع الماضية شهدت حالة ترقّب دولية متواصلة، في ظل توقعات بإمكانية اندلاع مواجهة واسعة بين الطرفين، إلا أن التصعيد ظل حتى الآن محصورًا في نطاق الخطاب السياسي الحاد وإظهار القوة، دون انتقاله إلى مرحلة العمليات الميدانية.
ويرى بوتشاروف أن تفسير هذا الجمود النسبي يتطلب التوقف عند ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في طبيعة التحركات العسكرية الأميركية، وشروط واشنطن المطروحة على طهران، إلى جانب الاعتبارات الجيوسياسية التي جعلت الأزمة تتجاوز الإطار الإقليمي التقليدي.
وفي المحور الأول، يوضح الكاتب أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كثفت منذ يناير/كانون الثاني الماضي وجودها العسكري في الشرق الأوسط، من خلال إرسال تعزيزات ورفع مستوى التجهيزات الدفاعية، بما في ذلك نشر بطاريات إضافية من منظومات باتريوت وأنظمة اعتراض صاروخي ووسائل إنذار مبكر.
غير أن بوتشاروف يعتبر أن هذه الخطوات تعكس -في جوهرها- توجهًا أميركيًا لتعزيز التحصينات وحماية القواعد والمصالح في المنطقة، أكثر من كونها استعدادًا لتنفيذ هجوم استباقي ضد إيران.
مطالب عالية السقف
وفي المحور الثاني، يرى الكاتب أن المطالب الأميركية المفروضة على إيران تتسم بدرجة عالية من التشدد، خصوصًا ما يتعلق بإيقاف البرنامج النووي ووقف تطوير القدرات الصاروخية بعيدة المدى، مشيرًا إلى أن مثل هذه الشروط تمس أسس الردع الإيراني وتُعد، من وجهة نظر طهران، مسألة سيادية لا يمكن التنازل عنها.
ويضيف أن التحشيد العسكري الأميركي قد يكون جزءًا من سياسة ضغط هدفها دفع إيران إلى تقديم تنازلات خلال المفاوضات، بدلًا من كونه مؤشرًا على قرار وشيك بالتصعيد العسكري.
تحفظ دول الخليج
أما المحور الثالث، فيرتبط بالموقف الإقليمي، إذ يشدد بوتشاروف على أن واشنطن تواجه عقبة تتمثل في تحفظ دول المنطقة عن الانخراط في أي مواجهة مفتوحة، ولا سيما دول الخليج التي أظهرت عدم استعدادها لتوفير الدعم اللوجستي أو فتح أجوائها لأي عمليات تستهدف إيران.
ويعزو الكاتب هذا الموقف إلى المخاوف الخليجية من ردود فعل إيرانية محتملة، إذ سبق لطهران أن لوّحت باستهداف أي جهة تسهم في أي هجوم عليها، وهو ما يضع منشآت النفط والموانئ والبنية التحتية الاقتصادية ضمن دائرة الخطر.
وفي سياق متصل، يتطرق بوتشاروف إلى تقارير متداولة بشأن وصول طائرات شحن عسكرية صينية إلى إيران، وحديث عن إرسال معدات أو دعم عسكري، معتبرًا أن مجرد انتشار مثل هذه المعلومات -سواء كانت دقيقة أم لا- يساهم في ترسيخ فكرة أن إيران ليست معزولة بالكامل.
أهمية إيران بالنسبة لروسيا والصين
كما يؤكد أن إيران تُعد عنصرًا محوريًا في الحسابات الإستراتيجية لكل من موسكو وبكين، وأن إضعافها أو زعزعة استقرارها سيحمل تداعيات اقتصادية وأمنية كبيرة عليهما.
ويشرح الكاتب أن روسيا تنظر إلى إيران بوصفها نقطة ارتكاز ضمن مشروع الممر الشمالي-الجنوبي الذي يمنحها منفذًا مهمًا نحو الخليج والهند وآسيا، ويوفر بدائل عن مسارات بحرية تخضع لتأثير حلف شمال الأطلسي.
أما الصين، فيرى بوتشاروف أن إيران تشكل رابطًا رئيسيًا في مشروع الحزام والطريق، وأن أي اضطراب كبير فيها قد يعطل خطوط الإمداد البرية نحو أوروبا ويعزز تفوق واشنطن في المجال البحري.
ويخلص بوتشاروف إلى أن واشنطن تراجعت عن خيار الضربة العسكرية، لأن أي هجوم ضد إيران لم يعد يقتصر على تداعيات محلية أو إقليمية، بل قد يتحول إلى خطوة تهدد التوازنات الدولية، خاصة في ظل ارتباط الأزمة بمصالح روسيا والصين، إلى جانب غياب غطاء إقليمي داعم لعمل عسكري واسع.

