الارتباط بين الإنسان وتراثه ارتباط أزلي، حتى وإن غاب عن المشهد المباشر للفرد، إلا أن العاطفة الكامنة لابد أن تظهر في لحظة ما.
ومن ناحية أخرى، كمجاراة موضوعية للتراث والآثار، وانعكاساً للارتباط الذي ولّدته الهوية الثقافية، أو ذاكرة المكان، تحضر معنا بين حين وآخر من خلال الفن، والفن المقصود هنا هو الإبداع التصويري، سواء كان بالرسم باليد أو بعدسة كاميرا.
الجانب الآخر الذي ظهر فيه التراث بصورة مباشرة لا ضمنيّة، والآثار كذلك، هي أبيات من قصائد لشعراء خلّد الأدب سيرتهم، وحتى الإشارات الضمنية للآثار والتراث كانت حاضرة وجلية، سواء فيما يتعلق بالوقوف على الأطلال، أو ذكر مواضع لها تاريخ معروف أو رمزية دلالية على موقع محدد، إلا أن ما يقتصر عليه الحديث في هذه السطور، هو الدلالة المباشرة في اللفظ والمعنى للتراث والآثار.
من الأبيات التي مرّت بهذا الشأن، والتي تشير صراحة إلى عنوان هذا المقال، قول أبي الطيب المتنبي:
حَتّى إِذا فَنِيَ التُراثُ سِوى العُلا
قَصَدَ العُداةَ مِنَ القَنا بِطِوالِهِ
ويرمز أبو الطيب في فني التراث إلى المال، ويعني بأن المال يفنى بالعطاء والكرم، بينما السمو والرفعة تبقى ولا تفنى. كما يشير إلى التراث في موضع آخر:
ولست أبالي بعد إدراكي العلى
أكان تراثا ما تناولت أما كسبا
فبعد أن حقق المنال، والوصول إلى العلى، لا يهتم بمصدر الوصول أكان ورثه من أسلافه أم بجهده الشخصي وكسب يده.
كما له في قصيدته الشهيرة: (غيري بأكثر هذا الناس ينخدع) في مدح سيف الدولة الحمداني:
تَمْشِي الكِرامُ على آثارِ غَيرِهِمِ
وَأنتَ تَخْلُقُ ما تأتي وَتَبْتَدِعُ
وينزل سيف الدولة منزلة مختلفة بأنه لا يسير على خطى من سبقوه، أولئك الذين يسيرون على آثار من سبقوهم، بينما أنت تبتدع ما تفعل، ولا تفعل فعلاً مقلّداً.
كما للشريف الرضي أبيات فيها إشارة جليّة للتراث، مدلولاً مباشراً، ومعنى صريحاً، حينما قال:
رُدّوا تُراثَ مُحَمَّدٍ رُدّوا
لَيسَ القَضيبُ لَكُم وَلا البُردُ
وهو ينادي بأن يعاد ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من قطع وصفها بالتراث، القضيب والبردة، وتلك البردة قد يعني بردة كعب بن زهير التي منحها إياه صلى الله عليه وسلم عندما ألقى بين يديه قصيدته بانت سعاد، والتي سميت قصيدة البردة.
ومن زاوية أخرى، تشير إلى التراث كمبنى، حيث حكم قاضي البصرة خلال العهد الأموي بهدم دار سعد بن ناشب التميمي، وكان شاعراً، فألقى قصيدته التي عُدّت من قصائد الفخر والشجاعة التي مطلعها: سأغسل عني الْعَار بِالسَّيْفِ جالبا،
إلى أن وصل:
فَإِن تهدموا بالغدر دَاري فَإِنَّهَا
تراث كريم لَا يُبَالِي العواقبا
وفي الختام،
تلك آثارُنا تدل علينا
فانظروا بعدنا إلى الآثار
نقش هذا البيت بالذهب على غلاف كتاب إحدى رحلات ابن جبير.
ولا تزال بطون كتب الأدب حبلى بمفردة التراث والآثار، إلا أن هذه الاستشهادات تدوين سريع لبعضها، وهو مبحث يجمع بين الأدب والتراث كعلاقة حيّة تعبر عن الارتباط بين الإنسان والتراث.

