بقلم: يورونيوز
نشرت في
انتقد أكاديميون وسياسيون أوروبيون القيود الأمريكية الجديدة على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، معتبرين أنها تمثّل تحولاً خطيراً في العلاقة بين المواطنة والتكنولوجيا.
اعلان
اعلان
ولم يقتصر نطاق القيود الجديدة على الدول المصنفة كخصوم استراتيجيين للولايات المتحدة مثل الصين أو روسيا، بل شمل أيضاً مواطنين من أوروبا وحلفاء تقليديين لواشنطن.
وجاءت هذه المواقف في سياق قرار واشنطن تقييد وصول غير الأمريكيين إلى أحدث نماذج شركة Anthropic، ما أثار ردود فعل واسعة في أوروبا، حيث يُنظر إلى الخطوة باعتبارها مؤشراً على تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة نفوذ استراتيجي بين القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، نُشرت تحليلات في منصات قانونية أوروبية بارزة، وصفت القرار بأنه بمثابة “حظر للمستقبل”، مشيرة إلى أن الجنسية الأوروبية، في حال عدم اقترانها بجنسية أمريكية أو استثناء خاص، أصبحت فجأة عائقاً أمام الوصول إلى تقنيات تُعد في صميم التطور التكنولوجي العالمي. واعتبرت هذه القراءات أن ما يجري لا يتعلق فقط بتنظيم تقني، بل بإعادة تعريف من يحق له المشاركة في الاقتصاد الرقمي المتقدم.
بدوره، حذّر رئيس الوزراء الفرنسي السابق غابرييل أتال من دخول العالم مرحلة “حرب تكنولوجية” متصاعدة، في ظل القيود الأمريكية الجديدة، وهو تطور يعكس، بحسب مسؤولين وخبراء، تصاعد التنافس الجيوسياسي حول السيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.
وقال المرشح الرئاسي أتال إن ما يجري “لا يمكن اعتباره مجرد تنظيم تقني”، مضيفاً أن “حرب الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل”، في إشارة إلى القيود الأمريكية التي اعتبرها دليلاً على أن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية قد يتحول إلى نقطة ضعف سياسية وأمنية.
وتعود جذور الأزمة إلى قرار إدارة أمريكية فرض قيود على استخدام أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي من شركة Anthropic، والمعروفة داخلياً باسم “Mythos 5” و”Fable 5″، حيث تم تعطيلها أو تقييد الوصول إليها لمنع استخدامها من قبل غير المواطنين الأمريكيين، بما في ذلك موظفو الشركة الأجانب، امتثالاً لتوجيه صادر عن إدارة ترامب.
وبرّرت واشنطن القرار باعتبارات تتعلق بالأمن القومي، مشيرة إلى مخاوف من أن بعض هذه النماذج يمتلك قدرات متقدمة في اكتشاف الثغرات السيبرانية وتطوير أدوات هجومية قد تُستغل في الهجمات الإلكترونية. وتُعد هذه الخطوة، بحسب تقارير، الأوسع حتى الآن في مجال تقييد الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
من جانبها، أعربت شركة Anthropic عن اعتراضها على طريقة تنفيذ القرار، مؤكدة أنها تلقت التوجيه دون توضيح كافٍ للأسس الأمنية، ووصفت الإجراء بأنه لا يتماشى مع مبادئ الشفافية والوضوح التقني. كما اعتبرت الشركة أن ما حدث قد يكون نتيجة “سوء فهم”، معربة عن أملها في استعادة الوصول إلى النماذج في أقرب وقت ممكن.
وفي المقابل، دافعت الإدارة الأمريكية عن توجهها العام عبر إطار تنظيمي جديد يهدف إلى فحص النماذج المتقدمة قبل إطلاقها، مع إمكانية إطلاع الحكومة عليها مسبقاً لتقييم المخاطر.
إلا أن هذا الإطار يبقى، وفق نصوصه، طوعياً بالنسبة لشركات الذكاء الاصطناعي، ولا يفرض نظام ترخيص إلزامياً.
ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه الجدل داخل الولايات المتحدة وخارجها حول كيفية تنظيم ما يُعرف بـ”النماذج الرائدة”، وهي أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة قادرة على الاستدلال واستخدام الأدوات بشكل مستقل، وتُصنَّف ضمن أقوى النماذج في العالم مثل ChatGPT وClaude وLlama.
وفي هذا السياق، دعا أكثر من 100 خبير في الأمن السيبراني، من بينهم مختصون يعملون لدى شركات كبرى مثل Nvidia وAdobe، إلى تخفيف القيود، محذرين من أن منع الوصول إلى هذه النماذج قد يضعف القدرات الدفاعية أكثر مما يحميها. وأشاروا إلى أن بعض الدول المنافسة، مثل الصين، لا تبعد سوى أشهر قليلة في تطوير قدرات مماثلة، وربما تمتلك وصولاً إلى أنظمة أكثر تطوراً مما هو معلن.
في المقابل، يرى مؤيدو القيود، ومن بينهم باحثون في سلامة الذكاء الاصطناعي، أن النماذج المتقدمة باتت قادرة على اكتشاف الثغرات الأمنية وتوليد هجمات سيبرانية معقدة، ما يجعل ضبط استخدامها أمراً ضرورياً لتجنب مخاطر واسعة على البنية التحتية الحيوية.
ويشير خبراء أكاديميون إلى أن هذا الصراع يعكس “معضلة الأدلة”، حيث يؤدي التحرك البطيء إلى مخاطر أمنية، بينما قد يؤدي التشدد المفرط إلى خنق الابتكار. وبالتالي، تبقى عملية تنظيم الذكاء الاصطناعي في مرحلة حساسة تتطلب موازنة دقيقة بين الأمن والتطور التقني.
كما يلفت محللون إلى أن ما يجري لا يقتصر على الولايات المتحدة وأوروبا، بل يعكس فجوة متنامية في الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، في ظل غياب إطار دولي ملزم، رغم وجود مبادرات مثل قمم سلامة الذكاء الاصطناعي التي عُقدت في عدة دول خلال السنوات الأخيرة.
وبينما تصف بعض الأصوات الأوروبية ما يحدث بأنه “بداية حرب تكنولوجية باردة جديدة”، ترى أطراف أخرى أن الأمر لا يزال في إطار إعادة تشكيل قواعد المنافسة في قطاع سيحدد موازين القوة الاقتصادية والأمنية في العقود المقبلة.












