بقلم: يورونيوز
نشرت في
انتهت الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في عُمان، حيث دخلت طهران المفاوضات متّخذةً مواقفَ قصوى لا تكاد تختلف عن تلك التي التزمت بها قبل أن يوقف الهجوم الإسرائيلي المفاجئ على أراضيها في يونيو/حزيران الماضي المحادثات بين الجانبين.
وبحسب ما كشفته صحيفة الغارديان، يبدو هذا الموقف الإيراني مفاجئاً، خاصةً في ظل التراجع الكبير الذي عانته طهران خلال الأشهر الثمانية الماضية.
سلسلة الضربات التي هزّت طهران
وترسم الغارديان صورةً واضحة لتداعيات الحرب التي دامت 12 يوماً مع إسرائيل، والتي كشفت عن نقاط ضعفٍ جوهرية في البنية العسكرية الإيرانية. ففي غضون أيامٍ معدودة، انكشفت هشاشة منظومات الدفاع الجوي، واختراق الاستخبارات الإسرائيلية للنخبة السياسية والعسكرية والعلمية. وأسفرت المعارك عن مقتل أكثر من 30 قائداً عسكرياً، وتنفيذ 160 غارة على أهداف عسكرية إيرانية.
وفي 22 يونيو/حزيران، وجهت الولايات المتحدة ضربةً قاصمة للبرنامج النووي الإيراني، باستخدام قاذفات B-2 و30 صاروخاً توماهوك استهدفت المواقع الرئيسية في فوردو وأصفهان ونطنز.
وتصف الصحيفة هذا الحدث بأنه نقطة تحولٍ رئيسية، أعقبها في سبتمبر/أيلول إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة بعد انسحاب القوى الأوروبية من اعتراضها، ثم تشديد ترامب الخناق في يناير/كانون الثاني بفرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتاجر مع طهران.
تداعيات اقتصادية وأمنية داخلية
وتنقل الغارديان عن مصادرها أن هذه الإجراءات تركت أثراً ملموساً على الداخل الإيراني، حيث فقد الريال الإيراني أكثر من نصف قيمته مقابل الدولار منذ يونيو/حزيران، بينما يتجه التضخم الغذائي نحو ثلاث خانات.
وتشير إلى أن هذين العاملين كانا من أبرز شرارات الاحتجاجات الوطنية في يناير/كانون الثاني، التي كشفت عن استعداد قوات الأمن لقتل آلاف المواطنين.
وتكشف الصحيفة أن قلق الحكومة من الغضب الشعبي لا يزال مرتفعاً، لدرجة أنها تواصل فرض رقابة مشددة على الإنترنت منذ أكثر من شهر على بدء هذه الإجراءات.
دبلوماسية الوهم: ثقة لا تتناسب مع الواقع
رغم كل هذه المؤشرات، ترى الغارديان أن الدبلوماسيين الإيرانيين يتصرفون وكأن النظام لم يكن على حافة الانهيار الشهر الماضي، بل وكأن بإمكانهم فرض شروط المفاوضات، بما في ذلك مكانها وموضوعها الرئيسي.
وبحسب ويندي شيرمان، كبير مفاوضي الاتفاق النووي الأمريكي سابقاً الذي نقلت عنه الصحيفة، فإن الفريق التفاوضي الإيراني يتميز بأنه “قانوني، مليء بالقدرة على التحمل، جيد التحضير، وصلب”، مع عبارةٍ مفضلة تتردد في كل جلسة: “شيءٌ آخر”.
استراتيجية الردع: لماذا تجازف طهران؟
وتطرح الغارديان تساؤلاً حول سبب هذه الثقة المفرطة، وترى أن أبسط تفسير هو أن النظام الإيراني لا يصدق أن ترامب سيشن هجوماً عسكرياً، خشيةً من ردود فعل غير متناسبة قد تزعزع استقرار المنطقة وتغضب حلفاء واشنطن في الخليج.
ويستند هذا التقدير إلى رؤية حميد رضا عزيزي، الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، الذي يشير إلى إجماعٍ ضمني بين النخبة الأمنية الإيرانية على أن ترامب “لا يريد حروباً طويلة ومعقدة بتكلفة عالية”. ومن هنا، تقوم استراتيجية طهران على جعل أي مواجهة عسكرية “بأكبر قدر ممكن من عدم القدرة على التنبؤ، والتعقيد، والتكلفة البشرية والاقتصادية”.
من جانب آخر، تشير الغارديان إلى أن طهران لا ترى لدى ترامب استراتيجية واضحة للتغيير داخل إيران. وتنقل الصحيفة عن تصريحات ماركو روبيو أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، حيث اعترف بصراحة أن الولايات المتحدة “ليس لديها خطة” لما سيحدث إذا سقط النظام، مقارناً الوضع هناك بفنزويلا، ولكنه رآه “أكثر تعقيداً بكثير”.
معارضة الشتات: الرهان على التدخل الخارجي
تتناول الغارديان وجهة نظر معارضي النظام في الخارج، وعلى رأسهم مؤيدو رضا بهلوي، الذين يرون أن الهجوم الأمريكي قد يكون شرارة لإعادة الجماهير إلى الشوارع.
وفي هذا السياق يقول سعيد قاسمي نجاد، أحد أقرب المقربين من بهلوي، للصحيفة: “الإيرانيون يريدون أن يُقصف النظام”، مستنداً إلى نظرية مفادها أن قوات الأمن ستفقد الإرادة لارتكاب مجزرة ثانية إذا ظهر أن النظام رفض فرصة السلام.
صوت المعارضة الداخلية
لكن الغارديان تؤكد أن أصواتاً معارضة داخل إيران ترفض بشدة فكرة التدخل الخارجي. وتشير إلى مواقف مير حسين موسوي، رئيس الوزراء السابق، و”مجموعة السبعة عشر” التي تضم نرگس محمدي ومهدي محموديان.
وتنقل الصحيفة عن محموديان قوله لـ”بي بي سي”: “إن أي إيراني وطني لن يدعم أبداً هجوماً خارجياً على بلاده”، محذراً من أن الحرب ستعمّق الانقسامات وتقضي على فرص الانتقال الديمقراطي.
وفي بيان صادر في 2 يناير/كانون الثاني، طالبت “مجموعة السبعة عشر” بتغييرٍ لا هو إصلاحي ولا ثوري، داعيةً إلى “محاكمة المسؤولين عن القمع، وإنهاء هذا النظام اللاإنساني، وتمكين الشعب من تحديد مستقبله السياسي بطريقة ديمقراطية”.
وتلفت الصحيفو إلى أن ثلاثة من الموقعين على البيان، ومن بينهم فيدا ربانى، قد أُلقي القبض عليهم، فيما أعلنت نرگس محمدي، التي أُلقي القبض عليها بشكل منفصل، عن دخولها في إضراب عن الطعام.
تختم الغارديان تحليلها بالإشارة إلى أن ترامب يبدو حالياً غير مهتم بمصير المعتقلين أو الداعين للتغيير داخل إيران. لكنها ترى أن هذا الموقف قد يتغير جذرياً إذا ما “بالغ المفاوضون الإيرانيون في تقدير قوتهم” في جولات المفاوضات المقبلة.












