نشرت في
كشفت تحقيقات جديدة عن ارتفاع هائل وغير مسبوق في عدد أحكام الإعدام المنفذة في كوريا الشمالية، حيث قفزت أعداد المتضررين من هذه الأحكام بنسبة 247.7% خلال السنوات الخمس التي أعقبت إغلاق الحدود لمواجهة جائحة كوفيد-19.
اعلان
اعلان
واستهدفت الحملة الشرسة بشكل متزايد من يتهمون بتقليد الثقافة الأجنبية أو ارتكاب مخالفات سياسية ضد النظام، في تحول جذري عن الفترة التي سبقت الوباء.
وأظهر تقرير مفصل نشرته “مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية” الحقوقية، ومقرها سيئول، أن بيونغ يانغ ضاعفت وتيرة تنفيذ الأحكام القاسية كرد فعل على العزلة المفروضة، محولة الفيروس إلى ذريعة لتعزيز القبضة الأمنية على مجتمع يعد الأكثر انغلاقاً في العالم، مع زيادة حالات الإعدام نفسها بنسبة 116.7%.
قفزة غير مسبوقة في الأرقام منذ 2020
وفقاً للبيانات التي اعتمدت عليها المجموعة، والتي غطت فترة حكم الزعيم كيم جونغ أون الممتدة من عام 2011 حتى 2024، شهدت البلاد تراجعاً ملحوظاً في عمليات الإعدام بين عامي 2015 و2019، وذلك في ظل تشديد الرقابة الدولية عقب تشكيل لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان في كوريا الشمالية.
غير أن المشهد تغير جذرياً مع قرار إغلاق الحدود في كانون الثاني/يناير 2020 لمنع تفشي الوباء. فخلال السنوات الخمس اللاحقة لهذا الإغلاق، لم ترتفع الأرقام فحسب، بل تضاعف عدد أحكام الإعدام المنفذة أكثر من مرتين، فيما زاد عدد المحكوم عليهم بالإعدام أكثر من ثلاث مرات مقارنة بالفترات السابقة، مما يعكس تصعيداً خطيراً في سياسات القمع الداخلي.
مصادر ميدانية وشهادات هاربين
استند التقرير في بناء معطياته الدقيقة على شبكة واسعة من المصادر الداخلية، شملت شهادات 265 منشقاً كورياً شمالياً فروا من البلاد، بالإضافة إلى تقارير صادرة عن خمس مؤسسات إعلامية متخصصة تملك شبكات اتصال داخل الأراضي الشمالية.
وقام فريق البحث بتحليل 144 حالة مؤكدة من عمليات الإعدام وأحكامها، شملت مئات الأشخاص، وكشف النقاب عن تفاصيل دقيقة حول طبيعة التهم وآليات التنفيذ.
ومن بين هذه الحالات الـ 144، وقعت 65 عملية إعدام تحديداً بعد تاريخ إغلاق الحدود في بداية الجائحة، مما يؤكد الارتباط الوثيق بين سياسات العزل الصحي وتصعيد العنف الحكومي.
الثقافة الجنوبية والدين في قائمة الموت
حدد التقرير بوضوح أن الموجة الجديدة من الإعدامات تركزت حول تهم تتعلق بـ “تلويث النقاء الأيديولوجي”، حيث ارتفعت حالات الإعدام المرتبطة باستهلاك الثقافة الأجنبية والممارسات الدينية وما وصفته السلطات بـ “الخرافات” بنسبة هائلة بلغت 250% بعد إغلاق الحدود.
وشملت التهم التي أودت بحياة أصحابها مشاهدة الأفلام والمسلسلات الكورية الجنوبية والاستماع لموسيقى “كي-بوب”، في خطوة تعكس خوف النظام من تسرب التأثيرات الخارجية إلى شعبه المعزول.
كما سجل التقرير ارتفاعاً في الإعدامات بسبب انتقاد الزعيم كيم جونغ أون مباشرة، وهو ما فسره الخبراء بأنه مؤشر على تكثيف السلطات للعنف لقمع أي بوادر للاعتراض السياسي والحفاظ على الولاء المطلق.
التشريعات القمعية وأماكن التنفيذ
ولم يكن التصعيد عشوائياً، بل جاء مدعوماً بإطار قانوني محكم؛ إذ أشار التقرير إلى أن بيونغ يانغ رسخت الأساس القانوني لهذه الحملة الدموية من خلال سن تشريعات جديدة ذات صلة في عامي 2020 و2023، شرعنت بموجبها عقوبة الإعدام لمجموعة أوسع من المخالفات.
وكشف التحليل عن تحديد 46 موقعاً مختلفاً لتنفيذ أحكام الإعدام في جميع أنحاء البلاد. ومن بين هذه المواقع، تقع 5 مواقع استراتيجية على بعد لا يتجاوز 10 كيلومترات من مقر حزب العمال الكوري الحاكم، حيث يوجد مكتب الزعيم كيم جونغ أون، في رسالة واضحة حول قرب العقوبة من مركز السلطة.
علنية القتل وطريقة الرصاص
وصف التقرير طبيعة تنفيذ الأحكام بأنها تتسم بالعلنية المفرطة بهدف ترهيب السكان، مشيراً إلى أن نحو ثلاثة أرباع عمليات الإعدام (75%) نُفذت أمام الجمهور. أما طريقة التنفيذ السائدة فكانت الرمي بالرصاص، التي استخدمت في اغتيال غالبية الضحايا الذين طالتهم أحكام الموت.
وفي ختام تحليله للمستقبل، حذر التقرير من أن النظام الكوري الشمالي، ومع سعيه الحالي لتحقيق “التوريث الرابع” للسلالة الحاكمة، يواجه خطراً كبيراً يتمثل في استمرار وزيادة وتيرة عمليات الإعدام.
ويهدف هذا المسار، حسب تقديرات المجموعة الحقوقية، إلى تعزيز السيطرة الثقافية والأيديولوجية بشكل صارم، وضمان استمرار الهيمنة السياسية للنظام في وجه أي تحديات محتملة في السنوات القادمة.












