أصيبت المصوّرة الصحافية الأميركية هايدي ليفين، العاملة لصالح صحيفة “واشنطن بوست”، الجمعة، إثر تعرضها للضرب على أيدي مستوطنين إسرائيليين أثناء تغطيتها هجمات استهدفت مزارعين فلسطينيين خلال موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية.
اعلان
اعلان
ونُقلت ليفين إلى مستشفى في رام الله لتلقي العلاج، فيما أُصيب فلسطينيون في مواجهات رافقت الهجوم وامتدت، وفق تقارير فلسطينية، إلى مناطق أخرى شهدت إحراق مركبات والاعتداء على مزارعين ومسعفين.
وقالت ليفين التي تمتلك خبرة واسعة في تغطية النزاعات حول العالم، في تصريحات أدلت بها من سريرها في المستشفى، إن “أكثر من 50 مستوطناً ملثماً يحملون العصي هاجموها بصورة مفاجئة أثناء عملها قرب قريتي أبو فلاح وترمسعيا وسط الضفة الغربية”.
وأضافت أنها “احتمت بالأرض محاولة حماية وجهها، لكنها تعرضت للركل مراراً”.
وبحسب صحيفة “واشنطن بوست”، كانت المصوّرة ترتدي سترة واقية من الرصاص كُتبت عليها كلمة “صحافة” بالإنجليزية بوضوح على الجهتين الأمامية والخلفية، إلى جانب خوذة واقية.
وأظهرت صور التقطتها وكالة الصحافة الفرنسية ليفين ممددة على حمالة، مع إصابات ظاهرة في ساقها ويدها. كما أظهرت مقاطع مصورة متداولة أشخاصاً ملثمين يضربونها بالعصي وهي على الأرض، قبل أن يغادروا المكان.
وسُمعت ليفين في مقاطع مصورة متداولة تقول بالإنجليزية “إنها ليست بخير وإن معداتها سُرقت”.
من جهتها، أعلنت جمعية الصحافة الأجنبية، التي تمثل وسائل الإعلام الدولية في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، أن المعتدين استولوا على جواز سفرها وهاتفها ومحفظتها ومعداتها الصحافية.
وبعد تدخل زملائها، نقلها مسعفون فلسطينيون إلى عيادة في أبو فلاح، قبل تحويلها إلى مستشفى في رام الله. وأفادت التقارير بأنها كانت في حالة مستقرة وتتلقى العلاج.
مواجهات وإصابات بين المزارعين
وتزامن الاعتداء على ليفين مع هجوم أوسع استهدف مزارعين فلسطينيين كانوا يقطفون الزيتون قرب قرية أبو فلاح.
وأفاد شهود عيان بأن نحو 80 مستوطناً، كان كثير منهم ملثمين ويحمل بعضهم قنابل غاز، نزلوا من تلة باتجاه حقل زيتون متدرج تجمع فيه قرويون لجني المحصول.
ووفقاً للشهود، استخدم بعض المهاجمين المقاليع لرشق الفلسطينيين بالحجارة، ما دفع المزارعين إلى التراجع نحو أسفل التلة، قبل أن يرشق بعضهم المستوطنين بالحجارة رداً على الهجوم.
وأفادت وسائل إعلام فلسطينية بأن طواقم الهلال الأحمر الفلسطيني قدمت العلاج لامرأة تبلغ 63 عاماً ورجل يبلغ 40 عاماً، بعد إصابتهما بكدمات جراء تعرضهما للضرب.
وفي شهادته عن الأوضاع الميدانية، قال صحافي من وكالة الصحافة الفرنسية كان موجوداً في ترمسعيا إنه شاهد مسعفين فلسطينيين يقدمون الإسعافات لشخص ممدد على الأرض، مضيفاً أن جنوداً إسرائيليين أبعدوا الصحافيين الذين حاولوا الاقتراب من الموقع. وأوضحت الوكالة أنها لم تشهد لحظة الاعتداء على ليفين.
إدانات أميركية وصحافية
وأعربت صحيفة “واشنطن بوست” عن غضبها إزاء الاعتداء على ليفين، ووصفته في بيان بأنه “هجوم سافر وغير مبرر على صحافية كانت تؤدي عملها”، مطالبة السلطات بإجراء تحقيق شامل ومتابعة القضية.
كما أبلغ المحرر التنفيذي للصحيفة الموظفين، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، بأن “ليفين تتلقى العلاج وتتماثل للشفاء”.
من جانبها، قالت السفارة الأميركية في القدس إنها على علم بالتقارير المتعلقة بالاعتداء، وأدانت أعمال العنف، مطالبة بإجراء تحقيقات واعتقال المتورطين ومحاكمتهم، ومؤكدة أن سلامة المواطنين الأميركيين وأمنهم تمثل أولوية للإدارة الأميركية.
فيما، اعتبرت جمعية الصحافة الأجنبية أن الاعتداء على ليفين يأتي ضمن سلسلة طويلة من الهجمات التي ينفذها مستوطنون إسرائيليون ضد الصحافيين والمدنيين في الضفة الغربية المحتلة.
وانتقدت عدم استجابة السلطات الإسرائيلية، بحسب قولها، لنداءاتها المتكررة لاتخاذ إجراءات تحد من هذه الاعتداءات.
ويأتي الهجوم بعد نحو عشرة أيام من تعرض مصوّر وكالة الصحافة الفرنسية جعفر اشتية للضرب على أيدي مستوطنين أثناء تغطيته موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية، ما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.
روايات متباينة بشأن المواجهة
وأعلن الجيش الإسرائيلي أن قواته وعناصر من حرس الحدود انتشرت في منطقة أبو فلاح عقب تلقي بلاغ عن مواجهة عنيفة. وأقر بإصابة صحافية خلال الأحداث، مؤكداً أن ملابسات الواقعة ستخضع للتحقيق.
وقال الجيش إن قواته عملت على فض المواجهة باستخدام وسائل مكافحة الشغب.
وفي سياق الأحداث ذاتها، أفاد بإطلاق طلقات تحذيرية في الهواء، ثم إطلاق النار على شخص اشتبهت القوات في أنه ركض باتجاه الجنود حاملاً أداة حادة، واعتبرته تهديداً لها.
في المقابل، قال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الوقائع المتعلقة بالاعتداء المزعوم على ليفين لا تزال غير واضحة وقيد التحقيق.
ورغم تأكيده إدانة العنف، أشار المكتب إلى تقارير تفيد بأن”نحو 200 عربي وناشط من اليسار المتطرف اشتبكوا مع قرابة 40 شاباً إسرائيلياً”، مضيفاً أن بعض المقاطع المصورة تظهر أعمال عنف من أطراف مختلفة.
كما ذكر البيان أن لقطات أخرى تُظهر، بحسب وصف المكتب، سقوط ليفين أرضاً قبل أن يساعدها الشخص نفسه على النهوض.
وشدد المكتب على “ضرورة أن يحدد التحقيق الطرف الذي بدأ المواجهة، رافضاً استغلال الحادثة”، وفق تعبيره، لتعميم المسؤولية على مئات الآلاف من السكان اليهود في الضفة الغربية.
من جهته، وصف مجلس بنيامين الإقليمي، الذي يمثل مستوطنات في المنطقة، الحادثة بأنها “استفزاز مدبّر”، مدعياً أن “مئات ممن وصفهم بالإرهابيين والفوضويين رشقوا إسرائيليين بالحجارة وأطلقوا ألعاباً نارية باتجاههم، وأن الصحافيين تمركزوا خلف الإسرائيليين لتصوير ردود أفعالهم”.
إحراق مركبات واعتداءات في مناطق أخرى
ولم تقتصر الأحداث على محيط أبو فلاح، فقد أعلنت الشرطة الإسرائيلية التحقيق في هجوم آخر استهدف قاطفي الزيتون في منطقة ترمسعيا، وتخللته حرائق طالت مركبات وأشجار زيتون فلسطينية.
وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” بأن مستوطنين أحرقوا ثلاث مركبات بالكامل. كما أعلن الدفاع المدني الفلسطيني أن مستوطنين اعتدوا على أحد كوادره أثناء محاولته إخماد حريق اندلع في إحدى السيارات، موضحاً أن إحدى المركبات المتضررة كانت تابعة لأسطوله.
وفي بيرزيت، شمال رام الله، أُصيب رجل فلسطيني يبلغ 70 عاماً في هجوم للمستوطنين خلال موسم القطاف، وفقاً لوسائل إعلام فلسطينية.
ووثقت مقاطع مصورة محاولات مستوطنين الاقتراب من مزارعين فلسطينيين والتضييق عليهم وسط حقول الزيتون قرب قرية برقة في محيط رام الله.
تصاعد الاعتداءات خلال موسم الزيتون
وتأتي هذه الأحداث في ظل تصاعد الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة، وتشمل الضرب وسرقة الممتلكات وتخريبها وإحراق المركبات والأشجار، فضلاً عن الاعتداءات على الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون، وفقاً للتقارير الفلسطينية والدولية.
ويشكّل موسم قطف الزيتون مصدراً مهماً للدخل بالنسبة إلى عائلات فلسطينية كثيرة، لكن المزارعين يواجهون خلاله، في عدد من المناطق، اعتداءات ومضايقات تؤثر على وصولهم إلى أراضيهم وقدرتهم على جني المحصول.
وتواجه إسرائيل انتقادات دولية بشأن تعامل سلطاتها مع عنف المستوطنين. وكان نتنياهو قد وصف منفذي بعض الاعتداءات بأنهم قلة من الخارجين عن القانون، قائلاً إنهم “لا يمثلون سكان المستوطنات”.
في المقابل، يتهم منتقدون الحكومة الإسرائيلية بالتساهل مع هذه الاعتداءات، فيما تقول جهات حقوقية إن ضعف المساءلة يسهم في استمرارها، وإن عنف المستوطنين أدى إلى تهجير عائلات فلسطينية من مناطق سكنها.
كما تتزايد الانتقادات الموجهة إلى الجيش الإسرائيلي على خلفية اتهامات بالتقاعس عن منع اعتداءات المستوطنين أو عدم التدخل بصورة كافية لوقفها، فضلاً عن اتهامات أخرى تتعلق بمشاركة قوات إسرائيلية في بعض الوقائع.
وتقول جهات حقوقية ونشطاء إن قوات الأمن تفرض قيوداً على أنشطتهم الرامية إلى مرافقة المزارعين الفلسطينيين وتوفير وجود وقائي لهم خلال موسم الحصاد.
ويعيش نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، باستثناء القدس الشرقية، إلى جانب أكثر من 500 ألف إسرائيلي يقيمون في مستوطنات أقيمت في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
وتُعد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وفقاً للموقف المعتمد لدى الأمم المتحدة.












