بقلم: يورونيوز
نشرت في
اختتم المستشار الألماني فريدريش ميرتس زيارة رسمية إلى الصين استمرت يومين، في أول جولة له إلى بكين منذ توليه منصبه عام 2025، واضعًا على الطاولة ملفات اقتصادية وتجارية وسياسية تعكس حساسية المرحلة التي تمر بها العلاقات بين أكبر اقتصاد أوروبي وثاني أكبر اقتصاد في العالم.
اعلان
اعلان
وجاءت الزيارة في سياق دولي مضطرب، مع تصاعد التوترات التجارية العالمية في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما رافقها من رسوم جمركية وإعادة رسم للتحالفات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، سعت برلين وبكين إلى تأكيد أهمية الاستقرار في علاقاتهما الثنائية، مع إدراك متبادل بأن المصالح الاقتصادية العميقة لا تلغي حجم التحديات القائمة.
رسائل استراتيجية
وعقد ميرتس محادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء لي تشيانغ. وأعرب الجانبان عن رغبتهما في تطوير “الشراكة الاستراتيجية الشاملة” والارتقاء بها إلى مستويات جديدة، مؤكدين أهمية حماية التعددية التجارية في عالم يشهد انقسامات متزايدة.
من ناحية أخرى، شدد ميرتس على ضرورة جعل التعاون “أكثر إنصافا”، مشيرًا إلى مخاوف محددة تتعلق بالمنافسة غير المتكافئة، والقدرات الإنتاجية الفائضة لدى الشركات الصينية، إضافة إلى تضخم العجز التجاري الذي قارب 90 مليار يورو العام الماضي. واعتبر أن هذا الوضع “غير صحي” ويتطلب معالجة هيكلية، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والصناعات التحويلية.
اقتصاد تحت الضغط
تحتل الصين موقع الشريك التجاري الأول لألمانيا، غير أن العلاقة الاقتصادية أصبحت أكثر تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة. فالشركات الألمانية، خصوصًا في قطاع السيارات، تواجه منافسة صينية متسارعة داخل السوق الصينية وخارجها.
وخلال الزيارة، رافق ميرتس وفد يضم نحو 30 من كبار المديرين التنفيذيين، بينهم ممثلون عن شركات سيارات كبرى مثل فولكسفاغن وبي إم دبليو، اللتين تأثرتا بتراجع المبيعات واشتداد المنافسة في مجال المركبات الكهربائية.
وفي المقابل، تسعى بكين إلى إزالة الحواجز التي فرضها الاتحاد الأوروبي على واردات السيارات الكهربائية الصينية وبطاريات الليثيوم، في ظل تحقيقات أوروبية بشأن الدعم الحكومي الصيني ومزاعم الإغراق.
وتؤكد الصين أن تعاونها الاقتصادي يقوم على مبدأ “المنفعة المتبادلة”، في حين ترى برلين ضرورة وضع قواعد أكثر صرامة لضمان تكافؤ الفرص.
كما برزت خلال المحادثات مسألة سلاسل الإمداد، خاصة بعد القيود التي فرضتها الصين على تصدير بعض المعادن الأرضية النادرة والرقائق الإلكترونية، وهي مواد أساسية للصناعات الألمانية.
وأكد ميرتس أهمية تقليل المخاطر الاستراتيجية، عبر تنويع مصادر التوريد دون الانزلاق إلى سياسة فك الارتباط الكامل.
وتغير وجه السوق الصينية، التي كانت مطمعاً للشركات الأجنبية بسبب قاعدة المستهلكين الواسعة وقوة الإنفاق المتزايدة، في السنوات القليلة الماضية مع اضطرار الشركات المحلية إلى البحث عن فرص في الخارج بسبب تقلص طلب المستهلكين نتيجة تباطؤ الاقتصاد ووجود فائض في إنتاج قطاع الصناعات التحويلية.
جولة تكنولوجية في هانغجو
وفي اليوم الثاني، توجه المستشار الألماني إلى مدينة هانغجو، أحد أبرز المراكز التكنولوجية في البلاد، حيث زار شركات ناشئة ومتخصصة في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي، واطلع على عروض للسيارات ذاتية القيادة.
وشكلت هذه الجولة رسالة واضحة بأن ألمانيا تراقب عن كثب التحول السريع في البنية الصناعية الصينية، خاصة في مجالات الابتكار والتقنيات المتقدمة.
وتعكس هذه الزيارة إدراكًا ألمانيًا بأن المنافسة مع الصين لم تعد تقتصر على الصناعات التقليدية، بل امتدت إلى الذكاء الاصطناعي والروبوتات والطاقة النظيفة، وهي مجالات كانت تُعد تقليديًا نقاط قوة أوروبية.
أبعاد سياسية وأمنية
سياسيًا، لم تغب الملفات الحساسة عن جدول الأعمال، فقد أثار ميرتس مسألة الحرب في أوكرانيا، داعيًا الصين إلى الإسهام في إنهاء النزاع عبر المسار الدبلوماسي.
وقال ميرتس في تصريحات إعلامية قبل مغادرته إلى برلين: “آمل أن يكون قد تسنّى لي خلال محادثاتي أن أوصل” رسالة مفادها أن “قيادة هذا البلد ينبغي أيضا أن تساهم في إنهاء الحرب في أوكرانيا”.
وكشف ميرتس أنه أثار مسألة تايوان الشديدة الحساسية في الصين، مشدّدا على أن “أيّ عملية إعادة توحيد” للجزيرة الذاتية الحكم التي تعتبرها الصين جزءا من أراضيها وتهدّد بضمّها بالقوّة ينبغي أن تجري بطريقة سلمية.
من جهتها، تمسكت بكين بخطابها القائم على رفض الانخراط في الصراعات، والدعوة إلى الحوار والتسوية السياسية، مع تأكيدها أهمية احترام السيادة ووحدة الأراضي.
5 مبادئ
حمل ميرتس إلى بكين ما وصفه بخمسة مبادئ لتأطير العلاقات الثنائية، تقوم على تقليل التبعية، وتعزيز القدرات الذاتية، وترسيخ المنافسة العادلة، وتوسيع التعاون الدولي لحل الأزمات، ودمج العلاقة مع الصين ضمن إطار أوروبي موحد. ويعكس هذا الطرح استمرار نهج “تقليل المخاطر” بدل القطيعة، بما يحفظ المصالح الصناعية الألمانية ويحد من الانكشاف الاستراتيجي.
وقال المستشار الألماني: “يربطنا تعاون جيّد مع الصين، لكن توجد أيضا تحدّيات لا بدّ من تخطّيها معا”، مشيرا إلى “مسائل متعلّقة بالمنافسة” و”القدرات العالية في الصين”.
ولفت إلى أن المشاورات مع بكين التي انقطعت بسبب التطوّرات السياسية في برلين والجائحة ستعقد “في بداية العام المقبل كمهلة قصوى، وعلى الأرجح هذه السنة”، على أن تتولى الصين استضافتها.
وتأتي الزيارة ضمن حراك أوروبي أوسع لإعادة ضبط العلاقات مع بكين، بعد زيارات قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في إطار مسعى أوروبي لإيجاد توازن بين الحفاظ على الشراكة الاقتصادية مع الصين وصون التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة.












