نشرت شبكة “سي إن إن” مقالاً تحليلاً أشارت فيه إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه مأزقاً سياسياً معقداً في إدارة الملف الإيراني، وسط مؤشرات واضحة على انسداد المسار الدبلوماسي.
اعلان
اعلان
ووفق التحليل، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام خيارات محدودة بعد فشل الضغوط العسكرية والسياسية، حتى الآن، في تحقيق هدفها المعلن والمتمثل في دفع طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات، في وقت تتسع فيه تداعيات الحرب لتطال الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار المنطقة.
وتشير المادة التحليلية التي نشرتها الشبكة للكاتب ستيفن كولينسون إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه معضلة استراتيجية معقدة في تعامله مع الملف الإيراني، إذ لم تُحقق الضربات العسكرية الأخيرة ضد طهران النتائج التي كانت الإدارة الأمريكية تأملها، فيما يبدو أن المسار الدبلوماسي الذي روّج له ترامب سابقاً باعتباره مدخلاً لـ”سلام تاريخي” في الشرق الأوسط يعاني من تعثر واضح، خصوصاً بعد انهيار مذكرة التفاهم التي كانت تشكل الأساس الذي تُبنى عليه المفاوضات.
خيارات محدودة ومأزق متزايد
يرى التحليل أن البدائل المتاحة أمام واشنطن تبدو شديدة التعقيد، فخيار الانخراط في حرب برية واسعة يحمل مخاطر كبيرة على حياة المئات من الجنود الأمريكيين، بينما يُعد القبول بالأمر الواقع في مضيق هرمز، حيث تمتلك إيران نفوذاً واسعاً، خياراً سياسياً يصعب على الإدارة الأمريكية تقبله.
ويصف لايل غولدشتاين، مدير قسم العلاقات الآسيوية في مركز “أولويات الدفاع”، الوضع الحالي بأنه “مأزق حقيقي”، في إشارة إلى غياب حلول سهلة أو سريعة للأزمة.
ولا تقتصر آثار الحرب على الولايات المتحدة وإيران، إذ يؤكد التحليل أن استمرار التوتر في مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي بصورة مباشرة، باعتباره أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
فإغلاق المضيق أو تعطل الملاحة فيه قد يؤدي إلى انخفاض الإمدادات العالمية من النفط، وارتفاع أسعار الوقود والديزل والأسمدة، كما قد تواجه أوروبا نقصاً في إمدادات الغاز الطبيعي المسال خلال الشتاء المقبل، إضافة إلى تراجع صورة دول الخليج كوجهة آمنة للاستثمار والسياحة، وهو ما يزيد الضغوط الاقتصادية على الحكومات الأوروبية.
أما داخل الولايات المتحدة، فتنعكس تداعيات الحرب على المشهد السياسي، إذ يشير التحليل إلى أن استطلاعاً للرأي أجرته “سي إن إن” بالتعاون مع مؤسسة SSRS أظهر تراجع التأييد الشعبي لسياسات ترامب المتعلقة بإيران وأسعار الوقود إلى أقل من 30%، وهو ما قد يشكل تحدياً للجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، ويقوض تعهدات ترامب السابقة بخفض تكاليف المعيشة.
الدبلوماسية.. المخرج الوحيد
ورغم حالة الجمود، يرى كولينسون أن التسوية السياسية لا تزال تمثل الطريق الأكثر واقعية لإنهاء الأزمة، عبر اتفاق يسمح لكل طرف بالحفاظ على جزء من مكاسبه السياسية.
فمن وجهة النظر الأمريكية، يمكن التوصل إلى صيغة لا تبدو وكأنها اعتراف بهزيمة استراتيجية في مضيق هرمز، بينما تستطيع إيران تقديم الاتفاق باعتباره دليلاً على احتفاظها بنفوذها الإقليمي رغم الخسائر التي تكبدتها خلال الحرب.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب، وفق التحليل، خطوات معقدة لخفض التصعيد، إضافة إلى وضع آلية دولية لإدارة الملاحة في المضيق وضمان أمن السفن التجارية.
مقترحات جديدة لإدارة مضيق هرمز
ويتناول التحليل أفكاراً بدأت تظهر في الأوساط الدبلوماسية، من بينها إنشاء مؤسسة مشتركة تديرها إيران ودول الخليج، تتولى الإشراف على حركة الملاحة والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بما يحقق استقراراً طويل الأمد ويحد من اضطرابات أسواق الطاقة.
ويشير إلى أن هذه الفكرة تستند جزئياً إلى مذكرة التفاهم السابقة التي تحدثت عن تعاون بين إيران وسلطنة عُمان والدول المطلة على الخليج لتنظيم الإدارة المستقبلية للمضيق.
كما طُرحت فكرة عقد مؤتمر دولي برعاية بريطانية لبحث حماية الملاحة في المضيق، إلا أنها لم تتبلور حتى الآن، رغم تزايد اهتمام الدول الأوروبية والآسيوية بإيجاد مخرج للأزمة نظراً لما تتحمله من أعباء اقتصادية متزايدة.
وخلال الأيام الأخيرة، اقتصرت التحركات الدبلوماسية المعلنة على محادثات بين إيران وسلطنة عُمان على مستوى نواب وزراء الخارجية، لبحث صيغ محتملة لإدارة حركة الملاحة في حال إعادة فتح مضيق هرمز، الذي تتقاسمان الإشراف عليه.
وبحسب ما كشفته شبكة “سي إن إن” هذا الأسبوع، فإن سلطنة عُمان رفضت مقترح طهران بفرض رسوم عبور على ناقلات النفط داخل المضيق، استناداً إلى أن القانون الدولي يضمن حرية المرور الآمن في الممرات البحرية الدولية.
وفي المقابل، تطرح مسقط تسوية وسطاً تقوم على فرض رسوم مقابل “الخدمات البحرية” المقدمة للسفن، وهو مقترح قد يشكل مخرجاً عملياً يوازن بين المواقف المتباينة للطرفين.
“رسم هرمز”.. تسوية اقتصادية محتملة
ويستعرض التحليل دراسة صادرة عن مؤسسة “بورس وبازار” البحثية في لندن، تقترح إنشاء آلية مالية تحت اسم “رسم هرمز”، لا تقوم على فرض رسوم عبور مباشرة، وإنما مساهمات مالية تخصص لإدارة وتأمين الممر الملاحي، على غرار النموذج المعمول به في مضيق ملقا، الذي يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ، وتشارك في إدارته سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا.
وتستند الدراسة أيضاً إلى الرسوم المفروضة في ميناء روتردام الهولندي لتقدير الإيرادات المحتملة، حيث تُفرض على أكبر ناقلات النفط رسوم “استدامة” تبلغ نحو 0.08 دولار لكل طن من الحمولة الإجمالية، وبحسب تقديرات الباحثين، فإن تطبيق رسم مشابه في الخليج قد يوفّر للمؤسسة الجديدة نحو 26 مليون دولار سنوياً.
ويرى معدّو الدراسة أن هذا الطرح قابل للتطبيق حتى إذا طالبت إيران بحصة أكبر من العائدات، إذ إن إضافة بضعة دولارات فقط إلى سعر برميل النفط تبقى أقل كلفة على الأسواق من التقلبات الحادة في الأسعار، التي ارتفعت بنحو 8% في يوم واحد لتتجاوز حاجز 90 دولاراً للبرميل.
ويشير الباحث إسفنديار باتمان غليج، أحد معدّي الدراسة، إلى أن طهران قد تُظهر مرونة أكبر مما يُعتقد بشأن العائدات المالية للمشروع المقترح، ويقول إن اهتمام إيران بوضعها الاقتصادي يجعلها ترى أن هناك مكاسب أكبر بكثير من مجرد فرض رسوم على المرور في مضيق هرمز، موضحاً أن أي انفراجة دبلوماسية مع الولايات المتحدة قد تفتح الباب أمام رفع العقوبات أو استئناف تدفق صادرات النفط الإيرانية بحرية.
ويرى الباحثون أن الترتيب الجديد قد يمنح إيران مكسباً استراتيجياً مهماً، إذ يكرّس واقعاً مفاده أن المضيق لن يعود إلى وضعه السابق قبل الحرب، بما يعزز روايتها بأنها لم تُهزم وأنها حافظت على استقلال قرارها ونفوذها في مواجهة الولايات المتحدة.
وعلى نطاق أوسع، قد يشكل إنشاء آلية متعددة الأطراف لإدارة المضيق خطوة أولى للإجابة عن سؤال بات أكثر حضوراً في الخليج: كيف ستتعامل دول المنطقة مع إيران أكثر ثقة بعد الحرب، وكيف يمكن دعم أي سلام محتمل؟
ومع ذلك، فإن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تصعيد خطابه ضد إيران تعني أن أي مسار دبلوماسي جاد سيظل مؤجلاً.
وحتى إذا جرى التوصل إلى اتفاق يضمن استقرار الملاحة في المضيق، فسيبقى مجرد معالجة لأزمة جديدة أفرزتها الحرب، دون الاقتراب من جوهر المخاوف الأمريكية المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين.
لماذا قد يحتاج ترامب إلى أوروبا؟
ويخلص تحليل “سي إن إن” إلى أن ترامب قد يجد نفسه مضطراً للاستعانة بالحلفاء الأوروبيين لإحياء المسار الدبلوماسي، كما حدث خلال المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.
غير أن المهمة لن تكون سهلة، إذ يرى الكاتب أن العلاقات المتوترة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، نتيجة الخلافات التجارية والسياسية، إضافة إلى الانتقادات الأوروبية للحرب، تجعل الحماس لمساندة الإدارة الأمريكية محدوداً.
كما أن ترامب تعامل مع حلفاء واشنطن الأوروبيين باعتبارهم خصوماً، من خلال فرض الرسوم الجمركية وتوجيه الإهانات إليهم، كما لم يتشاور مع كثير من الحلفاء قبل شن الحرب، التي رأوا أنها غير قانونية وغير حكيمة، ثم عاد وانتقدهم لعدم مشاركتهم في العمليات العسكرية.
كما أن أي تحرك أوروبي سيظل مرهوناً بوجود استراتيجية أمريكية واضحة، وهو ما يشكك فيه عدد من الخبراء، بينهم الباحث في صندوق مارشال الألماني إيان ليسر، الذي يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب رؤية أمريكية متماسكة يمكن للحلفاء الالتفاف حولها.
وفي الوقت نفسه، تشير اتصالات أجراها الباحث إسفنديار باتمان غليج مع مسؤولين وأطراف معنية في طهران، بحسب ما ينقل التحليل، إلى أن إيران لا ترفض مبدأ التسوية الإقليمية لإدارة مضيق هرمز، لكنها لن تقدم تنازلات بينما تستمر العمليات العسكرية الأمريكية، إذ تعتبر أن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تسبقها قناعة بأن واشنطن مستعدة بالفعل لتغيير نهجها.
ويختتم كولينسون تحليله بالتأكيد على أن استمرار التصعيد سيزيد كلفة الحرب على جميع الأطراف، وأن فشل واشنطن وطهران في كسر دائرة المواجهة سيدفع القوى الإقليمية والدولية إلى لعب دور أكبر في محاولة احتواء الأزمة، لأن تداعياتها لم تعد تخص طرفي الصراع وحدهما، بل أصبحت تمس استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة ومستقبل المنطقة بأكملها.












