نشرت في
في أول خطاب سياسي شامل له بصفته المرشح الوحيد لزعامة حزب العمال، حاول بورنهام تقديم نفسه بوصفه صاحب مشروع اقتصادي وإداري مختلف، يقوم على اللامركزية وتعزيز الاستثمار، في وقت بدأت فيه الشكوك تتصاعد داخل حزب العمال بشأن قدرته على تنفيذ هذه الوعود في ظل القيود المفروضة على المالية العامة، إلى جانب تشكيك المعارضة في شرعية إطلاق إصلاحات لم تكن جزءاً أساسياً من البرنامج الانتخابي للحزب.
اعلان
اعلان
ويأتي خطاب بورنهام بعد استقالة كير ستارمر في 22 يونيو إثر فقدانه ثقة نواب حزبه، ومن المتوقع أن يتولى بورنهام رئاسة الحكومة اعتباراً من 20 يوليو.
“النموذج المانشستري”
من داخل متحف تاريخ الشعب في مانشستر، الذي يحمل رمزية خاصة باعتباره يوثق تاريخ النضالات الاجتماعية في بريطانيا، أعلن بورنهام، النائب المنتخب عن دائرة ميكرفيلد في 18 يونيو، عزمه إنشاء مقر جديد يحمل اسم “داونينغ ستريت رقم 10 للشمال” في مانشستر، ليكون، بحسب وصفه، “المركز العصبي” لمملكة متحدة “مُحدّثة”.
وانطلاقاً من قناعته بأن المملكة المتحدة “واحدة من أكثر الدول مركزية في العالم”، وأن النظام الذي تديره مؤسسات ويستمنستر ووايتهول في لندن لم يعد يخدم الطبقات الشعبية التي يعاني دخلها الحقيقي من الركود منذ سنوات، دعا رئيس بلدية مانشستر الكبرى السابق إلى تعميم ما يعرف بـ”النموذج المانشستري” على مستوى البلاد.
ويؤكد بورنهام أن هذا النموذج نجح في مانشستر عبر الجمع بين إعطاء الأولوية للنمو والاستثمار مع تدخل قوي للدولة، وهو ما يراه أساساً لإعادة التصنيع وإطلاق “أكبر برنامج للإسكان الاجتماعي” منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وحظي الخطاب بتصفيق واسع من نواب ومسؤولي حزب العمال المؤيدين له داخل متحف تاريخ الشعب، كما لقي ترحيباً من أوساط الأعمال. وقالت رين نيوتن-سميث، المديرة العامة لاتحاد الصناعة البريطاني (CBI)، إن القطاع “يرحب بالتركيز على النمو”.
ويعوّل كثير من نواب حزب العمال على بورنهام باعتباره الورقة الأقوى في مواجهة صعود حزب “ريفورم يو كيه” اليميني المتطرف في انتخابات عام 2029.
تشكيك داخل حزب العمال
رغم الزخم الذي رافق الخطاب، بدأت الشكوك تتصاعد داخل حزب العمال بشأن مدى واقعية المشروع، إذ يتوقع أن يواجه بورنهام القيود المالية نفسها التي واجهها ستارمر، إضافة إلى نفاد صبر الناخبين الذين يستعدون لاستقبال رئيس الوزراء السابع خلال عشر سنوات.
وتعكس هذه التحديات واقعاً إدارياً معقداً في المملكة المتحدة، حيث تمتلك اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية برلمانات إقليمية، بينما لا يوجد برلمان خاص بإنجلترا. كما تقتصر صلاحيات معظم المجالس المحلية على خدمات محدودة، مثل جمع النفايات، وتنظيم النقل المدرسي، وتأمين المساكن الطارئة، فيما لا تضم سوى قلة منها رؤساء بلديات منتخبين.
ويضاف إلى ذلك أن وزارة الخزانة البريطانية لا تمول المشاريع المحلية إلا إذا أثبتت قدرتها على تحقيق عوائد سريعة على الاستثمار، وهو نهج يمنح الأفضلية للمناطق الأكثر ثراءً والأفضل اتصالاً.
ولطالما عارض بورنهام هذا النموذج، حتى إنه جعله محور كتاب أصدره عام 2024 بعنوان “Head North”، وشارك في تأليفه مع رئيس بلدية ليفربول العمالي ستيف روذرام.
وخلال نحو تسع سنوات قضاها رئيساً لبلدية مانشستر الكبرى بين عامي 2017 ويونيو 2026، كان أحد أبرز مهندسي إعادة تطوير المدينة، التي كانت يوماً العاصمة العالمية لصناعة القطن.
لكن بعض زملائه يشككون في إمكانية تطبيق “النموذج المانشستري” في مختلف أنحاء البلاد، كما يحذرون من أن تركيزه المستمر على الفجوة بين شمال إنجلترا وجنوبها قد ينفّر شريحة من الناخبين.
ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن نائب عمالي، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله: “على آندي أن يضع في اعتباره أن شوارع لندن ليست مرصوفة بالذهب”، مشيراً إلى أن جيوب الفقر لا تقتصر على الشمال، بل تمتد أيضاً إلى الجنوب ومنطقة ميدلاندز والمدن الساحلية التي هجرتها الشركات والسياح.
وفي المقابل، فإن مسار نقل الصلاحيات ليس جديداً في بريطانيا، إذ دعمت حكومة حزب العمال بقيادة توني بلير في أواخر تسعينيات القرن الماضي إنشاء البرلمانين الإقليميين في ويلز واسكتلندا، بينما أطلقت حكومة المحافظين بقيادة ديفيد كاميرون خلال العقد الثاني من الألفية إنشاء مناصب رؤساء البلديات الإقليميين، كما حدث في ليفربول ومانشستر الكبرى.
ورغم ذلك، لم يوضح بورنهام في خطابه طبيعة إجراءات اللامركزية الإضافية التي ينوي اعتمادها، ولا كيفية عمل مقر “داونينغ ستريت” الثاني في مانشستر من الناحية العملية.
تحديات التمويل والشرعية
اعتبرت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوخ أن “نقل الصلاحيات ليس حلاً سحرياً”، مضيفة أن منح سلطات إضافية لأشخاص غير قادرين على إدارتها لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المشكلات في أماكن أخرى مع زيادة تعقيد عمل الحكومة المركزية.
كما أعادت المعارضة التذكير بتجربة رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون، الذي جعل اللامركزية محوراً لبرنامجه الانتخابي عام 2019 تحت شعار “Levelling Up” أو “إعادة التوازن”، إلا أن المشروع لم يحقق نتائج ملموسة بسبب افتقاره إلى التماسك، قبل أن تنتهي ولايته باستقالته في يوليو 2022.
ولم يقدم بورنهام تفاصيل بشأن آلية تمويل إصلاحاته، رغم تأكيده التزام “القواعد المالية الحالية”، التي تنص، على سبيل المثال، على عدم تمويل النفقات الجارية للدولة عبر الدين العام.
ويواجه الزعيم العمالي المرتقب أيضاً انتقادات تتعلق بشرعية هذه الإصلاحات، إذ يتساءل معارضوه عن كيفية تمرير تغييرات جذرية لم تكن واردة في البيان الانتخابي الذي خاض به حزب العمال انتخابات يوليو 2024، والتي منحته الأغلبية البرلمانية.
ورد بورنهام بأن مقترحاته “تتوافق” مع البرنامج الانتخابي للحزب، إلا أن أحزاب اليمين بدأت بالفعل التشكيك في شرعية هذه الإصلاحات، مطالبة بإجراء انتخابات مبكرة.
المصادر الإضافية • وكالات












