أعاد انهيار مبنى سكني متضرر من القصف في منطقة تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، فجر الأربعاء، تسليط الضوء على الأخطار التي تهدد آلاف الفلسطينيين المضطرين إلى الإقامة في أبنية متصدعة، بعدما أسفرت الحادثة عن مقتل 21 شخصاً، بينهم 12 طفلاً وخمس نساء، وإصابة 14 آخرين.
اعلان
اعلان
وانهارت “عمارة السعادة”، المؤلفة من ست طبقات وتضم كل منها أربع شقق، فوق قاطنيها وعلى منازل وخيام مجاورة، فيما أفاد الدفاع المدني في غزة بأن أكثر من 100 شخص كانوا موجودين داخلها، وفق شهادات أقارب السكان.
وكان المبنى يؤوي عائلات نازحة لجأت إليه بعد تضرر منازلها خلال الحرب، رغم التصدعات والأضرار التي أصابت سقوفه وجدرانه وأساساته نتيجة قصف سابق.
البحث عن الضحايا بين الركام
بدأت طواقم الدفاع المدني، بالتعاون مع فرق البلدية، عمليات البحث والإنقاذ منذ منتصف الليل، وسط صعوبات ميدانية ونقص في الآليات الثقيلة والمعدات المتخصصة.
وأظهرت مشاهد التقطتها وكالة “رويترز” فرق الإنقاذ وهي تحاول الوصول إلى الضحايا بين الكتل الخرسانية، بينما اضطر السكان وعمال الإنقاذ في أجزاء من الموقع إلى إزالة الركام يدوياً.
وأفاد شهود، وفق تقارير إعلامية، بسماع أصوات من تحت الأنقاض خلال الساعات الأولى من عمليات البحث، كما أظهرت مشاهد تحققت منها قناة “الجزيرة” انتشال أطفال وناجين من بين الركام.
من جهتها، رصدت وكالة “فرانس برس” عمال إنقاذ وأهالي يبحثون عن ناجين فوق كومة ضخمة من الخرسانة المحطمة، بالتزامن مع عمل جرافة رُفعت عليها أعلام مصرية عند أحد أطراف المبنى.
وبعد ساعات من الحفر وانتشال الضحايا، أعلن المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، انتهاء عمليات البحث، مؤكداً ارتفاع حصيلة القتلى إلى 21 شخصاً. وأعلنت وزارة الصحة وصول جميع القتلى والمصابين إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة.
أضرار سابقة وتحذيرات من العودة
قال الدفاع المدني إن العمارة انهارت نتيجة الأضرار الجسيمة والتصدعات التي لحقت بسقوفها وجدرانها وأساساتها، بعد تعرضها للقصف خلال عام 2024، ثم مجدداً في آذار/مارس 2025.
وأوضح بصل أن السكان تلقوا تحذيرات سابقة من العودة إلى المبنى بسبب خطورة وضعه الإنشائي، لكن غياب الخيام والمساكن البديلة دفع عائلات ونازحين إلى الإقامة فيه.
ووصف أحد أقارب الضحايا المباني المتضررة بأنها “قنابل موقوتة”، مشيراً إلى أن السكان يدركون خطورتها، إلا أنهم لا يجدون أماكن أخرى يلجؤون إليها.
وفي مستشفى الشفاء، تجمعت عائلات الضحايا لتوديع أبنائها، بعدما نُقلت الجثامين من موقع الانهيار داخل أكياس بيضاء ووضعت في باحة المستشفى.
نحو ألفي مبنى مهدد بالانهيار
حذّر الدفاع المدني في غزة من وجود نحو ألفي مبنى متضرر وآيل للسقوط لا يزال مأهولاً بالسكان والنازحين في أنحاء قطاع غزة، في ظل غياب البدائل الآمنة وأعمال الترميم.
وتتزايد المخاوف من انهيار أبنية إضافية مع اقتراب فصل الشتاء، إذ يمكن للأمطار والعوامل الجوية أن تفاقم الأضرار التي لحقت بالجدران والأساسات خلال الحرب.
وحذّر رئيس بلدية غزة، يحيى السراج، من احتمال سقوط مزيد من المباني، مطالباً بإدخال منازل متنقلة لتوفير مساكن بديلة للسكان والنازحين.
من جهته، عبّر منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، رامز الأكبروف، عن “بالغ أسفه” للحادثة، مؤكداً أنها تسلط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تواجهها العائلات المقيمة في المباني المتضررة، وعلى الحاجة الملحة إلى توفير أماكن إيواء أكثر أماناً.
نقص الآليات يعرقل عمليات الإنقاذ
يعاني الدفاع المدني في غزة نقصاً حاداً في الجرافات والرافعات ومعدات الإنقاذ، ما يحد من قدرة طواقمه على التعامل مع المباني المنهارة والوصول سريعاً إلى الضحايا.
وناشد الدفاع المدني الجهات التي تمتلك معدات ثقيلة التدخل للمساعدة، محذراً من أن الإمكانات المتاحة لا تتناسب مع حجم الدمار والركام المنتشر في القطاع.
وتواجه عمليات إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار عراقيل كبيرة، فيما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن رفع الكميات الهائلة من الركام قد يحتاج إلى سنوات.
القطاع الصحي يواجه نقصاً في الوقود
تتزامن صعوبات الإنقاذ مع تراجع قدرة القطاع الصحي على الاستجابة للحوادث الطارئة، بسبب نقص الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية.
وقال مدير الإغاثة الطبية في مدينة غزة إن أكثر من 60% من سيارات الإسعاف أصبحت معطلة، ما يعرقل نقل المصابين إلى المستشفيات ويؤخر وصول الطواقم الطبية إلى مواقع الحوادث.
وطالبت وزارة الصحة بفتح المعابر وإدخال الوقود والمعدات والمستلزمات الطبية، إلى جانب السماح بإجلاء المرضى الذين يحتاجون إلى تلقي العلاج خارج القطاع.
أزمة الإيواء تدفع النازحين إلى المباني المتضررة
دفع غياب أماكن الإيواء المناسبة والنقص الحاد في الخيام ومواد البناء آلاف الفلسطينيين إلى العودة إلى منازل متصدعة، أو الإقامة في مبانٍ شبه مهدمة، رغم التحذيرات من احتمال انهيارها.
وبحسب مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، يعتمد أكثر من 90% من السكان على المساعدات الإنسانية، فيما لا تزال الفجوة واسعة بين احتياجاتهم وحجم المساعدات المتاحة.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن المباني المهددة بالسقوط لا تزال مأهولة بسبب عدم توافر مساكن بديلة أو مساحات كافية لإقامة مراكز إيواء جديدة.
وحمّل المكتب إسرائيل والمجتمع الدولي مسؤولية الكارثة وتداعياتها، مطالباً بفتح المعابر وإدخال معدات الإنقاذ والآليات الثقيلة ومستلزمات الإيواء.
تداعيات الحرب مستمرة
تضررت أو دُمرت الغالبية العظمى من المباني في قطاع غزة نتيجة الغارات الإسرائيلية، وفق الأمم المتحدة، بينما يعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين داخل منشآت متضررة أو غير مستقرة.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن مقتل نحو 73,800 فلسطيني وإصابة أكثر من 174 ألفاً.
وفي المقابل، أسفر هجوم حركة “حماس” على جنوب إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عن مقتل 1221 شخصاً، وفق تعداد أجرته وكالة “فرانس برس” استناداً إلى بيانات رسمية إسرائيلية.
ورغم دخول وقف إطلاق النار بوساطة أميركية حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، واصلت إسرائيل تنفيذ غارات في القطاع وقيّدت إدخال بعض المعدات، قائلة إنه يمكن استخدامها لأغراض عسكرية. ووفق وزارة الصحة، قُتل أكثر من 1380 فلسطينياً في الغارات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق.
وتشير تقديرات أممية إلى أن إزالة الركام وإعادة إعمار غزة ستستغرقان سنوات، فيما لا يزال آلاف الأشخاص مفقودين تحت أنقاض المباني المدمرة، وسط تحذيرات من أن الأبنية المتضررة التي بقيت قائمة قد تتحول إلى مصدر جديد للخطر.












