لم أكن أعرف أن كلمةً من ثلاثة أحرف يمكن أن تُخلّف كل هذا الوجع، وأن نداءً عابرًا اعتدنا سماعه كل يوم سيصبح، بعد الرحيل، أمنيةً نعجز عن بلوغها مهما اشتدّ الحنين.«هَيّا»…هكذا كانت أمي تناديني، وتكتبها لي في رسالةٍ قصيرة، تعلن بها أن الغداء قد جهز، وأن عليّ أن آتي.هيا…يا الله… كم كانت عاديةً تلك الرسالة في عيني، وكم كانت عظيمةً دون أن أدري! لم أكن أرى فيها أكثر من دعوةٍ إلى مائدة، ولم أكن أعرف أنها كانت تحمل، في باطنها، شيئًا من معنى الحياة كلّها؛ أمًّا تنتظر، وبيتًا يألف خطاي، ومائدةً لا يكتمل دفؤها إلا بحضوري.كانت أمي تختصر كل ذلك في كلمة.لم تكن تكتب قصيدةً عن الحب، ولا تتكلّف وصفًا للحنان، ولم تكن بحاجةٍ إلى أن تقول إنها اشتاقت إليّ أو إنها تنتظرني؛ كانت تقول: «هيا»، فأعرف أن هناك قلبًا في البيت يتذكّرني، وأن يدًا أعدّت الطعام، وأن لي في هذا العالم مكانًا لا يحتاج إلى موعدٍ مسبق، ولا إلى استئذان.كنت أظن أنني ذاهبٌ إلى الغداء، ولم أكن أعلم أنني ذاهبٌ إلى واحدةٍ من أعمق صور الحب التي يمنحها الله لعباده؛ حبّ الأم الذي لا يطلب مقابلًا، ولا يملّ الانتظار، ولا يرى في إطعام أبنائه عملًا يستحق الذكر، بل يراه شيئًا طبيعيًّا كأنفاسه.واليوم…يا أمي، ماذا أفعل بهذه الكلمة التي تركتِها لي ومضيتِ؟كيف أقرأها دون أن أسمع صوتك؟ وكيف أمرّ على ساعات الغداء دون أن أتلفّت نحو هاتفي؟ وكيف أعتاد أن يأتي الموعد الذي كنتِ تنادينني فيه، فلا أجد منك رسالةً، ولا أسمع صوتًا، ولا أعرف إلى أيّ جهةٍ أمضي حين يصبح البيت الذي اعتدت أن أُدعى إليه خاليًا من ندائك؟آهٍ يا أمي…لم يكن الغداء وحده ما تدعينني إليه. كنتِ تدعينني إلى الطمأنينة، إلى دفء البيت، إلى ذلك الجزء من عمري الذي ظلّ محميًّا بوجودك، مهما كبرتُ، ومهما حملتُ من أعباء الحياة، ومهما أوهمتني الأيام أنني أصبحت قادرًا على احتمال كل شيء.كنتُ ابنك الذي يعرف أن في البيت أمًّا.وهذه وحدها كانت كافية.لم أفهم، يا أمي، أن بعض النعم لا ننتبه إلى عظمتها؛ لأن الله يجعلها جزءًا من يومنا، تتكرّر حتى نظنّها باقية، وتأنس بها أرواحنا حتى نحسبها من ثوابت الحياة. ثم يأتي القدر، فيأخذ من المشهد وجهًا واحدًا، فإذا بالمشهد كلّه يتغيّر.لم تتغيّر مواعيد الغداء يا أمي، ولم تتغيّر ساعات النهار، ولم تتوقّف الحياة عن المضيّ؛ الذي تغيّر أن صوتك لم يعد في هذا العالم، وأن كلمةً كنتِ تكتبينها في ثوانٍ صارت تحتاج إلى معجزةٍ كي أسمعها منك مرةً أخرى.يا ليتني كنت أعرف أن آخر «هَيّا» ستأتي يومًا، وأنني سأعيش بعدها أفتّش في ذاكرتي عن كل مرةٍ ناديتِني فيها، وأتمنّى لو أنني أطلتُ الطريق إليك، وأبطأتُ عندك، وجلستُ إلى جوارك أكثر، وقلتُ لك من الحبّ ما لا تكفيه كل رسائل الدنيا.يا أمي، سامحيني إن مررتُ على ندائك يومًا كأنه أمرٌ عادي، وإن أجّلتُ المجيء، أو انشغلتُ عنك، أو لم أدرك أن خلف تلك الأحرف الثلاثة قلبًا لا يريد من الدنيا إلا أن يطمئنّ على ابنه، وأن يراه يأكل ويشبع ويعود إلى يومه بخير.لم أكن أعرف أنني كنت أعيش ثراءً لا يُقاس بالمال، وأنني كنت أملك شيئًا لا يُشترى، وأن تلك الرسالة الصغيرة كانت واحدةً من رسائل الحب التي يكتبها الله لنا على أيدي أمهاتنا، ثم لا نعرف قيمتها كاملةً إلا حين تصبح ذكرى.رحلتِ يا أمي، وبقيت «هيا».بقيت في هاتفي، وفي ذاكرتي، وفي كل موعدٍ للطعام، وفي كل لحظةٍ أشتاق فيها إلى البيت كما كان، وفي ذلك الركن العميق من قلبي الذي لا يعرف كيف يصدّق أن امرأةً كانت تناديني كل يوم لن تناديني بعد اليوم.وسأظلّ، كلما تذكّرتُها، أشعر بأنني أريد أن أجيبك.أن أقول لك: نعم يا أمي، أنا قادم.أن أترك كل شيءٍ وأمضي إليكِ، كما كنت أفعل، وأن أفتح الباب فأراكِ في مكانكِ، وأن أجلس إلى مائدتكِ، وأسمع صوتكِ وأنت تسألينني عن يومي، ثم أعود إلى الحياة مطمئنًّا لأنكِ ما زلتِ فيها.لكنّ الموت، يا أمي، لا يترك لنا بابًا نطرقه، ولا موعدًا نؤجّله، ولا رسالةً نرسلها لنقول إننا تأخّرنا قليلًا.ترك لنا الدعاء.وترك لنا الذكريات.وترك لنا حبًّا لا يعرف الموت كيف ينتزعه من صدور أبنائه.لذلك، سأحمل كلمتكِ معي ما حييت، وسأجعلها دعاءً كلما مرّت في خاطري، وسأستودع الله روحكِ كلما اشتقت إلى صوتكِ، وسأذكر أن امرأةً اسمها أم نزار كانت تناديني بكلمةٍ صغيرة، لكنها كانت تمنحني بها شعورًا عظيمًا بأن لي في هذه الدنيا أمًّا تنتظرني.اللهم ارحم أمي رحمةً تطمئنّ بها روحها، وتؤنس بها وحشتها، وترفع بها درجتها، واجعل كل ما قدّمته لنا من حبٍّ ورعايةٍ وإحسانٍ نورًا لها في قبرها، واجمعني بها في جنّتك حيث لا فراق، ولا غياب، ولا دموع وداع.أمي الحبيبة…كلّما حان موعد الغداء، سأفتقدكِ.وكلّما أضاء هاتفي، سيعبر قلبي أملٌ صغيرٌ يعرف أنه لن يتحقّق، لكنه لا يملك أن يتخلّى عنه.وكلّما سمعتُ أحدًا ينادي ابنه إلى الطعام، سأشعر أن في الدنيا أصواتًا كثيرة، لكنّ صوتًا واحدًا لن يعوّضه أحد.صوتكِ أنتِ.وستبقى كلمتكِ، يا أمي، أحنّ ما تركتِه لي، وأوجع ما أفتقده منكِ.«هَيّا»…يا ليتك تقولينها مرةً أخيرة.يا ليتني أسمعها فأجيبك، وأمضي إليك، وأجلس إلى مائدتكِ، وأقبّل رأسكِ، وأقول لكِ إنني أحبكِ، وإنني لم أكن أعرف أن كلمةً كنتِ تكتبينها كل يوم ستصبح يومًا أمنية عمري كلّه.آآآآخ يا أمي…هَيّا… لن يأتي بعدها صوتكِ، ولن أعود بعدها كما كنت.
قد يهمك أيضاً
اترك تعليقاً
اشترك في النشرة البريدية
اشترك معنا في النشرة البريدية ليصلك جميع اخبار المملكة العربية السعودية والعالم لحظة بلحظة على بريدك الإلكتروني.
© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.












