تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث تُعقد جلستان حاسمتان ضمن مسار مفاوضات لبنان وإسرائيل. يحاول الجانب اللبناني من خلال هذه اللقاءات الانتقال من مرحلة التنسيق السياسي والأمني المحدود إلى اختبار مسار تفاوضي أوسع وأشمل. يأتي هذا التحرك الدبلوماسي في ظل مقاربة أمريكية وإسرائيلية تتسم بتحفظ أكبر بكثير مما يتم الترويج له في الأوساط السياسية في بيروت.
السياق التاريخي لمسار مفاوضات لبنان وإسرائيل
تاريخياً، لم تكن مفاوضات لبنان وإسرائيل وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة من المحطات التفاوضية غير المباشرة التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة. ولعل أبرز هذه المحطات كان اتفاق ترسيم الحدود البحرية في عام 2022، والذي أسس لمرحلة جديدة من التعاطي الدبلوماسي بين الطرفين. كما تستند أي تسوية أمنية حالية إلى المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها القرار الأممي 1701 الذي أنهى حرب عام 2006، والذي يُعد الركيزة الأساسية لأي مباحثات تهدف إلى إرساء الاستقرار على الخط الأزرق وفصل القوات ومنع التصعيد العسكري.
تفاصيل الجلسات والوفود المشاركة في واشنطن
تُقدم الجلسة الأولى المقررة يوم الخميس باعتبارها استكمالاً للجولات السابقة، وتترأسها السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض. في المقابل، يُفترض أن تشكل جلسة الجمعة انتقالاً عملياً إلى مرحلة تفاوضية أكثر اتساعاً بقيادة السفير سيمون كرم، استناداً إلى توجيهات رئاسية تركز بشكل أساسي على تثبيت وقف إطلاق النار قبل الغوص في أي خطوات إضافية. وسيضم الوفد اللبناني إلى جانب كرم كلاً من معوض والملحق العسكري أوليفر حاكمة.
بالتوازي مع ذلك، تبقى اللجنة الاستشارية في بيروت لتأدية دور الدعم السياسي والتقني ووضع آليات العمل. وتضم هذه اللجنة شخصيات بارزة مثل شوقي بونصار، عبد الستار عيسى، وبول سالم، إلى جانب غرفة عمليات سياسية تضم شخصيات دبلوماسية وأكاديمية لمواكبة المفاوضات والتنسيق المباشر مع رئاسة الجمهورية.
التباين الداخلي اللبناني والموقف الإسرائيلي
لا يحظى هذا الترتيب التفاوضي بإجماع داخلي في لبنان؛ إذ ينفي مقربون من رئيس مجلس النواب نبيه بري وجود تنسيق كامل معه، معتبرين أن بعض الأسماء المطروحة تعكس توجهاً داخل السلطة نحو تسوية مفتوحة مع إسرائيل. على الجانب الآخر، يبدو الحضور الإسرائيلي محسوباً بدقة سياسية بالغة. فتل أبيب سترسل السفير في واشنطن يحيئيل ليتر والمسؤول أوري رزنيك، في حين لم يُحسم بعد حضور رون ديرمر، المكلف مباشرة من بنيامين نتنياهو بالملف اللبناني. ويُفسر غياب ديرمر، إن ثبت، بأن إسرائيل لا تزال تتعامل مع هذه الاجتماعات كمرحلة تحضيرية لا تستدعي رفع مستوى التمثيل السياسي أو التقني.
وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن الوفد سيحمل خرائط مرتبطة بالحدود ومقترحات أمنية تقوم على تشكيل مجموعات عمل مشتركة لبنانية – إسرائيلية تحت عنوان «فصل القوات»، مع تركيز واضح على ملف حزب الله. وفي هذا السياق، صرح نتنياهو لشبكة «سي إن إن» بإمكانية العمل مع لبنان «عسكرياً وسياسياً» للتخلص من حزب الله، معتبراً أن أي تسوية دائمة مرتبطة بإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، ومؤكداً أن الحرب مع الحزب يجب أن تستمر حتى لو انتهت المواجهة مع إيران.
الأهمية الاستراتيجية وتأثير الحدث إقليمياً ودولياً
تكتسب هذه الجولة من المحادثات أهمية استراتيجية كبرى تتجاوز البعد المحلي لتشمل التأثير الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يُعد نجاح هذه المباحثات في التوصل إلى وقف إطلاق نار مستدام خطوة حاسمة لمنع انزلاق منطقة الشرق الأوسط نحو حرب إقليمية شاملة قد تجر أطرافاً فاعلة أخرى. أما دولياً، فإن استقرار الحدود اللبنانية الإسرائيلية يمثل مصلحة حيوية للقوى الكبرى لضمان أمن المنطقة واستقرارها، ناهيك عن تخفيف العبء الإنساني وتجنب موجات نزوح جديدة تؤثر على المجتمع الدولي.
الرؤية الأمريكية ومستقبل التسوية
رغم توصيف بعض الأوساط اللبنانية لجلسة الجمعة بأنها «تدشين رسمي» لمسار تفاوض مباشر، فإن واشنطن لا تتبنى هذا التوصيف. بل تعتبر الإدارة الأمريكية هذه الاجتماعات امتداداً لمسار مفتوح سابقاً، وليس انتقالاً إلى مرحلة جديدة. وما يعزز هذا الانطباع هو ربط الأمريكيين أي تطوير فعلي للمفاوضات بإمكانية عقد لقاء مستقبلي بين قائد الجيش اللبناني جوزيف عون ونتنياهو في البيت الأبيض. يترافق ذلك مع تساؤلات متزايدة حول مدى امتلاك الوفد اللبناني لرؤية تفاوضية متماسكة قادرة على فرض شروط واضحة، وفي مقدمتها الوقف الكامل لإطلاق النار.
The post مفاوضات لبنان وإسرائيل في واشنطن: مسار تفاوضي لوقف إطلاق النار appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












