تستكمل اليوم الأربعاء جولة جديدة وحاسمة من مفاوضات روما بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وذلك في مقر السفارة الأمريكية بالعاصمة الإيطالية. تأتي هذه الجولة الثانية بعد يوم من المباحثات التي اتسمت بأجواء إيجابية وهادئة نسبياً، إلا أنها لم تخلُ من نقاشات حادة ومعقدة حول ملفات حساسة، أبرزها مقترح «المناطق التجريبية» أو النموذجية، وآليات الانسحاب الإسرائيلي، بالإضافة إلى تحديد صلاحيات الجيش اللبناني بدقة. ومع انتقال هذه المباحثات من مرحلة المبادئ العامة إلى الغوص في التفاصيل التقنية والآليات التنفيذية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مصير هذا الاتفاق ومدى قابليته للتطبيق على أرض الواقع.
السياق التاريخي للنزاع الحدودي وأهمية مفاوضات روما
لفهم التعقيدات الحالية، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للنزاع الحدودي بين لبنان وإسرائيل. لعقود طويلة، شكلت الحدود الجنوبية للبنان بؤرة للتوترات العسكرية والسياسية، خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000 ورسم “الخط الأزرق” من قبل الأمم المتحدة. ورغم صدور القرار الأممي 1701 الذي أنهى حرب عام 2006 وأسس لقواعد اشتباك جديدة تعتمد على نشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، إلا أن الخروقات المستمرة والنزاعات حول نقاط حدودية محددة أبقت المنطقة على صفيح ساخن. تأتي مفاوضات روما اليوم كمحاولة دولية جادة لإرساء استقرار طويل الأمد، متجاوزة الحلول الترقيعية نحو ترتيبات أمنية مستدامة تضمن سيادة الدولة اللبنانية وتمنع تجدد الصراع المفتوح.
تفاصيل مقترح «المناطق النموذجية» وآلية التنفيذ
تركزت النقاشات بشكل أساسي على ثلاثة محاور رئيسية، أولها ما يُعرف بـ «المناطق النموذجية». فقد أصر الجانب الإسرائيلي على بدء تنفيذ الاتفاق في بلدات لا يتواجد فيها عسكرياً، في حين تمسك لبنان بضرورة الانتشار الفوري للجيش اللبناني في كافة المناطق التي ينسحب منها جيش الاحتلال. وأمام هذا التباين، طرح الوسيط الأمريكي مخرجاً تدريجياً يقضي باختيار بلدتين نموذجيتين: الأولى خالية من الوجود الإسرائيلي، والثانية ينسحب منها جيش الاحتلال ليحل محله الجيش اللبناني فوراً. يهدف هذا المشروع الذي تدعمه واشنطن إلى خلق اختبار تجريبي يمكن قياس نجاحه، ومن ثم توسيعه ليشمل باقي المناطق الحدودية، مما يساهم في بناء حد أدنى من الثقة الميدانية المتبادلة.
تحديات ميدانية وأمنية أمام الجيش اللبناني
المحور الثاني في المباحثات تناول تشكيل لجان تقنية مختصة تعمل تحت إشراف اللجنة السياسية لمتابعة تفاصيل الانسحاب وصياغة ترتيبات المرحلة التي تليه. أما المحور الثالث فتمحور حول الخروقات الأمنية المستمرة؛ حيث طالب لبنان بوقفها الفوري، بينما تذرعت إسرائيل بما أسمته «حق الدفاع عن النفس» بحجة استمرار نشاط حزب الله الميداني. في هذا السياق المعقد، يواجه الجيش اللبناني معادلة دقيقة وحساسة للغاية. فهو يمثل الأداة التنفيذية الشرعية الوحيدة لأي اتفاق، لكنه يحتاج إلى موازنة مهامه الوطنية مع حجم التعقيدات الميدانية والسياسية. إن حدود صلاحياته وآليات انتشاره التدريجي، بالتزامن مع رقابة اللجنة الأمنية المشتركة، لا تزال نقاطاً خلافية قد تُرحّل إلى مراحل لاحقة من التفاوض.
التداعيات الإقليمية والدولية للاتفاق المرتقب
لا تقتصر أهمية هذا الحدث على الداخل اللبناني أو الإسرائيلي فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات إقليمية ودولية واسعة. محلياً، سيؤدي نجاح الاتفاق إلى بسط سلطة الدولة اللبنانية وتخفيف حدة الاحتقان الداخلي، فضلاً عن تمهيد الطريق لعودة النازحين إلى قراهم. إقليمياً، يمثل هذا المسار خطوة حاسمة نحو تبريد الجبهات المشتعلة في الشرق الأوسط، مما يقلل من احتمالات الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة قد تتدخل فيها أطراف أخرى. أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه الترتيبات سيعزز من مصداقية الدبلوماسية الأمريكية والأممية في إدارة الأزمات، ويؤسس لنموذج يمكن البناء عليه في نزاعات مشابهة، مما يجعل أنظار المجتمع الدولي شاخصة نحو ما ستسفر عنه هذه المباحثات.
ضمانات واشنطن ودور الرئيس دونالد ترامب
تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الجولة في إطلاق عمل الفرق القانونية والتقنية لتفكيك بنود اتفاق الإطار المعقدة. يسعى لبنان جاهداً إلى تحقيق إنجاز ملموس يتمثل في انتزاع صيغة واضحة ونهائية للانسحاب الإسرائيلي الكامل، مقرونة بضمانات أمريكية ودولية قوية لمتابعة التنفيذ الفعلي على الأرض. هذا الإنجاز من شأنه أن يقوي الموقف الرسمي اللبناني، وتحديداً موقف قائد الجيش العماد جوزيف عون، في محادثاته المرتبطة بزيارته المرتقبة إلى واشنطن. وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة كونها ستتضمن لقاءً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث يُعول على الإدارة الأمريكية الحالية لتقديم الدعم اللازم للجيش اللبناني لتمكينه من أداء دوره المحوري في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.
The post مفاوضات روما: دور الجيش اللبناني والمناطق النموذجية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












