يُعد الشاعر محمد الثبيتي واحداً من أبرز القامات الأدبية التي ملأت الدنيا وشغلت النقاد منذ حقبة الثمانينيات من القرن الماضي. لقد أحدث ديوانه الشهير “التضاريس” صدىً واسعاً وحواراً متصلاً في الساحة الأدبية، حيث عُقدت حوله المؤتمرات، وكُتبت عنه المقالات والدراسات، وأُلفت فيه الكتب. لقد ذكرنا هذا الجدل المستمر بما أحدثه أسلافه من الشعراء الكبار مثل المتنبي وأبي تمام والمعري من نقاشات لم تنقطع منذ قرون.

جذور الإبداع: السياق التاريخي لبروز محمد الثبيتي

لفهم التجربة الفريدة التي قدمها محمد الثبيتي، يجب النظر إلى السياق التاريخي والثقافي للمملكة العربية السعودية في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. في تلك الفترة، كانت الساحة الأدبية تشهد مخاضاً عسيراً بين تيار التقليد الذي يتمسك بعمود الشعر، وتيار الحداثة الذي يسعى لكسر القوالب واستكشاف آفاق لغوية وتعبيرية جديدة. برز الثبيتي في هذا التوقيت الحساس كصوت مجدد، ينطلق من بيئته الصحراوية وتراثه العربي، ليعيد صياغتهما بلغة حداثية متمردة. لم يترك للنقاد مدخلاً سهلاً للولوج إلى عالمه، بل فرض حضوره الطاغي من خلال نصوص تتسم بالكثافة والعمق.

شهادات النقاد: من التضاريس إلى موقف الرمال

يشير الشاعر المبدع جاسم الصحيح في برنامج “قول على قول” إلى أن الشاعر محمد الثبيتي أصبح أباً للحركة الشعرية الحديثة، حيث لا يمكن أن يبرز شاعر حديث دون أن يتأثر بإبداعاته. وعندما صدر ديوانه الأخير عام 2005 بعنوان “موقف الرمال.. موقف الجناس”، صرح الثبيتي بأنه خرج من “سجن التضاريس” ليرتقي إلى مرقى جديد في تجربته. تحول بعد تسعة عشر عاماً إلى معلم صوفي وروحي، يخرج من عباءة التضاريس ليكتب قصائد رائعة مثل “صاحبي ما الذي غيرك”، و”تعارف”، و”البشير”، متلبساً روح الصوفية كما يرى الناقد سعد البازعي، الذي يعتبره من أهم شعراء جيل الثمانينيات.

وفي برنامج “الراحل”، استشهد عبدالله سفر بمقولة الناقد الكبير الراحل سعيد السريحي: “انتظرنا ألف عام حتى يأتي شاعر في حجم الثبيتي، وعلى أبنائنا أن ينتظروا ألف عام أخرى حتى يأتي شاعر مثله”. السريحي، الذي كان صديقاً وعراباً لشعره، أكد أن أهمية الثبيتي تكمن في خروجه من “النسق المطمئن” للقصيدة السائدة، واقتحامه مناطق لغوية وإيقاعية غير مألوفة، مستلاً المفردة التراثية ليعطيها طاقة دلالية تعبر عن قلق الإنسان المعاصر.

فلسفة الصحراء والحداثة الشعرية

يرى الدكتور عبدالله الغذامي أن ديوان “التضاريس” لم يكن مجرد مجموعة شعرية، بل كان “البيان الشعري” للحداثة السعودية. لقد استنقذ الثبيتي “الصحراء” من دلالتها الجغرافية البدوية الجامدة، وحولها إلى رمز كوني وثقافي مليء بالحياة، مسبغاً عليها السمة الأسطورية. هذا الرأي يتوافق مع ما ذهب إليه الناقد محمد العباس، الذي اعتبر أن نص الثبيتي انتصر في الزمان وأسس للحداثة تاريخياً، متأثراً برواد الشعر العربي الحديث كالسياب والبياتي، ولكنه تميز بفرادة التصوير والغوص في مفردات البيئة الصحراوية.

من جهته، يؤكد الشاعر أحمد الملا أن الثبيتي لم ينشغل بالرد على خصوم الحداثة، بل اكتفى بكونه شاعراً مبدعاً صمد بنصوصه التي تمثل حالة إبداعية مختلفة. ويضيف الكاتب محمد الماجد أن حب الثبيتي للصحراء جعله يعيد لها وهجها وعذريتها، مشيراً إلى انفتاحه الاجتماعي الواسع خلال إقامته في مكة المكرمة.

الأثر الإقليمي والدولي: أبعاد ظاهرة محمد الثبيتي الأدبية

لم يقتصر تأثير محمد الثبيتي على النطاق المحلي، بل امتد ليشكل ظاهرة إقليمية ودولية. يصفه الناقد العراقي علي جعفر العلاق بأنه “شاعر رائي” يمتلك القدرة على استنطاق روح الصحراء، محولاً المفردات الجافية إلى ظواهر كونية ناطقة. كما لخص الناقد العراقي الدكتور حاتم الصكر تجربته بعبارة بليغة: “شهد على حد موس”، في إشارة إلى جمالها الممزوج بالقلق الوجودي.

تُرجم هذا التأثير العابر للحدود من خلال إعداد الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات العالم العربي (مثل الجزائر، مصر، والعراق)، حيث نوقشت جوانب متعددة من تجربته باستخدام مناهج عالمية حديثة كالمنهج الأسلوبي والسيميائي. لقد أثبتت هذه الدراسات أن لغة الثبيتي تمتلك شفرات عالمية قابلة للتفكيك وفق أحدث النظريات النقدية الغربية، مما يرسخ مكانته كأحد أعمدة الشعر العربي الحديث الذي نقل القصيدة المحلية من حدودها الجغرافية إلى فضاء الإنسانية الأرحب.

The post محمد الثبيتي: ظاهرة شعرية عابرة للحدود وأيقونة الحداثة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version