في خطوة سياسية وقانونية لافتة، استخدم عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، أمس الجمعة، حق الفيتو لرفض مشروع قانون مثير للجدل كان من شأنه أن يمنح شرطة نيويورك صلاحيات واسعة لإنشاء «مناطق عازلة» أو «محيطات أمنية» حول المؤسسات التعليمية. وقد اعتبر المراقبون والمدافعون عن الحقوق المدنية هذا القرار بمثابة درع واقٍ لحرية التعبير، خاصة في ظل الضغوط السياسية المتزايدة التي تهدف إلى تقييد موجة الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين التي اجتاحت الولايات المتحدة مؤخراً.
السياق العام وتصاعد الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في الجامعات
لفهم أبعاد هذا القرار، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية القريبة للأحداث. فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية حراكاً طلابياً غير مسبوق. تحولت الساحات الجامعية إلى مراكز للتعبير السياسي، حيث برزت مخيمات الاعتصام في جامعات عريقة مثل جامعة كولومبيا وغيرها من المؤسسات الأكاديمية. هذه الحركات لم تكن مجرد تجمعات عابرة، بل شكلت ضغطاً حقيقياً للمطالبة بوقف إطلاق النار وسحب الاستثمارات من الشركات الداعمة للحرب.
في خضم هذا الحراك، سعى بعض المشرعين إلى تقييد هذه التجمعات بحجة الحفاظ على الأمن العام. وفي 26 مارس الماضي، قدم عضو المجلس إريك دينويتز مشروع قانون يهدف إلى تنظيم هذه التجمعات، وقد نجح المجلس في إقراره بأغلبية 30 صوتاً مقابل 19 صوتاً معارضاً. كان الهدف المعلن هو حماية الطلاب، لكن المعارضين رأوا فيه محاولة واضحة لخنق الأصوات المعارضة للسياسات الداعمة لإسرائيل داخل الحرم الجامعي.
أسباب الرفض: حماية التعديل الأول للدستور الأمريكي
جاء رد العمدة ممداني حاسماً عبر بيان رسمي مصحوب بمقطع فيديو، أعلن فيه رفضه المصادقة على القانون. ووصف ممداني نص التشريع بأنه «واسع جداً ومقلق دستورياً». وأوضح أن خطورة هذا القانون تكمن في إمكانية استخدامه كأداة لتقييد حق الطلاب والمواطنين في التظاهر السلمي، سواء كان ذلك دعماً للحقوق الفلسطينية، أو مطالبة الجامعات بالانسحاب من الاستثمارات في الوقود الأحفوري، أو حتى احتجاجات العمال ضد سياسات الهجرة.
وما زاد من مخاوف ممداني هو التعريف الفضفاض لمصطلح «المؤسسة التعليمية» داخل النص القانوني، والذي لا يقتصر على الجامعات فحسب، بل يشمل المدارس، المتاحف، والمستشفيات التعليمية. هذا الاتساع قد يفتح الباب أمام تقييد شامل للاحتجاجات المدنية. وأكد ممداني أن القانون يمس جوهر حرية التعبير المكفولة في التعديل الأول للدستور الأمريكي. وفي المقابل، كان مجلس المدينة قد أقر مشروع قانون مشابه يتعلق بإنشاء مناطق عازلة حول دور العبادة بأغلبية ساحقة بلغت 44 صوتاً مقابل 5 أصوات، مما جعله «غير قابل للفيتو»، وقد سمح ممداني بتمريره دون اعتراض.
التأثير المتوقع لقرار الفيتو محلياً ووطنياً
يحمل هذا الفيتو أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يتجاوز حدود مدينة نيويورك ليتردد صداه على المستوى الوطني. محلياً، أحدث القرار انقساماً واضحاً؛ فقد قوبل بانتقادات حادة من قبل منظمات يهودية بارزة، مثل رابطة مكافحة التشهير والاتحاد اليهودي في نيويورك. واعتبرت هذه الجهات أن إسقاط القرار يمثل «فشلاً في حماية سلامة الطلاب والسكان»، مشيرة إلى ما تصفه بـ «تصاعد معاداة السامية» المرتبطة ببعض التجمعات.
على الجانب الآخر، رحبت المنظمات التقدمية، النقابات العمالية، والمؤسسات الحقوقية، وفي مقدمتها اتحاد الحريات المدنية في نيويورك، بقرار الفيتو. واعتبرت هذه الأطراف القرار انتصاراً تاريخياً لحرية التعبير، محذرة من أن إقرار القانون كان سيمنح الشرطة صلاحيات استثنائية تؤدي إلى قمع الأصوات المعارضة. إقليمياً ودولياً، يرسل هذا الموقف رسالة قوية حول متانة المؤسسات الديمقراطية وقدرتها على حماية حق التظاهر السلمي حتى في أكثر القضايا حساسية واستقطاباً.
The post فيتو تاريخي بنيويورك يحمي الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












