مقدمة: لفتة وفاء لرمز التأسيس

في خطوة تجسد عمق الوفاء والتقدير لرموز الوطن، أصدر حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، أمراً ملكياً سامياً بأن يحمل عام 2026 اسم «عام عيسى الكبير». يأتي هذا التكريم وفاءً للجد الأكبر جلالته، الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، الذي يُعد الحاكم المؤسس للدولة البحرينية الحديثة ورائد نهضتها الشاملة. يعكس هذا القرار اهتماماً ملكياً راسخاً بتاريخ الأمة، ويهدف إلى ربط الأجيال الجديدة بإرث القادة الذين أرسوا دعائم وطن ينعم اليوم بالاستقرار والازدهار.

السياق التاريخي: قيادة حكيمة في زمن التحولات

تولى الشيخ عيسى بن علي آل خليفة مقاليد الحكم في الرابع من ديسمبر 1869، في فترة كانت منطقة الخليج العربي تشهد خلالها تحولات جيوسياسية كبرى وتحديات أمنية واقتصادية جسيمة. كانت المنطقة مسرحاً للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، وكان الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على تجارة اللؤلؤ المتقلبة. في خضم هذه الظروف الدقيقة، أظهر الشيخ عيسى حنكة سياسية ورؤية استراتيجية ثاقبة. فمن خلال توقيع المعاهدتين التعاقديتين مع بريطانيا العظمى في عامي 1880 و1892، نجح في تأمين استقرار البحرين وحماية سيادتها، مما أتاح له التفرغ لمشروعه الإصلاحي الداخلي الطموح الذي استمر على مدى 63 عاماً، وهي أطول فترة حكم في تاريخ البحرين والخليج.

بناء الدولة الحديثة: إنجازات خالدة

لم تكن فترة حكم الشيخ عيسى الكبير مجرد مرحلة زمنية، بل كانت ورشة عمل متكاملة لبناء أسس الدولة الحديثة. شملت إصلاحاته كافة القطاعات الحيوية، ويمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:

  • الإدارة والتنظيم: أسس أول بلدية في الخليج (بلدية المنامة عام 1919)، وأنشأ دائرة للطابو لتسجيل الأراضي (1924)، كما أصدر قوانين لتنظيم شؤون القضاء والأسرة الحاكمة، مما أرسى مبادئ العدالة والاستقرار.
  • الاقتصاد والتجارة: نظم قطاع الغوص على اللؤلؤ عبر تأسيس محكمة خاصة به (1894)، وأسس أول مجلس للتجار (1910) وأول مصرف تجاري (البنك الشرقي عام 1920)، مطوراً بذلك البنية التحتية الاقتصادية للبلاد. وتوجت هذه النهضة باكتشاف النفط عام 1932، لتدخل البحرين عصراً جديداً من التنمية.
  • الصحة والتعليم: أولى الشيخ عيسى اهتماماً بالغاً بصحة المواطنين، فأنشأ أول محجر صحي (1889) وأول مستشفى حديث في الخليج (1903). وفي مجال التعليم، شهد عهده افتتاح أولى المدارس النظامية للبنين والبنات (مدرسة الهداية الخليفية 1919)، وإرسال أول بعثة دراسية إلى الخارج (1928)، لتتحول البحرين إلى منارة للعلم والثقافة في المنطقة.
  • الأمن والنظام: شكل نواة الشرطة الحديثة من خلال تأسيس فرق «الفداوية» ثم «النواطير»، مدركاً أن الأمن هو أساس التنمية والازدهار.

الأهمية والتأثير: إرث يمتد للمستقبل

إن قرار تخصيص عام 2026 للاحتفاء بالشيخ عيسى الكبير يحمل دلالات عميقة على كافة المستويات. فعلى الصعيد المحلي، يعزز الهوية الوطنية ويرسخ في ذاكرة الأجيال الجديدة تضحيات الآباء المؤسسين. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإنه يسلط الضوء على تاريخ البحرين العريق كدولة سباقة في التحديث والتطوير المؤسسي في المنطقة. إن إرث الشيخ عيسى لا يقتصر على منشآت ومؤسسات، بل هو إرث من الحكمة والاعتدال والوحدة الوطنية، وهي القيم التي لا تزال تشكل حجر الزاوية في مسيرة مملكة البحرين نحو المستقبل. وكما وصفه الرحالة أمين الريحاني عند زيارته للبحرين في عهده، فقد كانت المملكة تشهد «نهضة أدبية اجتماعية مباركة»، وهو وصف يلخص بدقة أثر قائد فذ ترك بصمات لا تُمحى على جبين وطنه.

The post عام عيسى الكبير 2026: البحرين تحتفي بإرث مؤسس الدولة الحديثة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version