لم تكن الرحلة إلى جزيرة «شورى» مجرد دعوة إعلامية عابرة، ولا زيارة تقليدية إلى مشروع سياحي جديد، بل كانت أشبه بالدخول إلى عالم صُمّم بعناية ليترك أثره في الذاكرة قبل الصورة.
منذ اللحظة الأولى، بدا كل شيء وكأنه جزء من تجربة محسوبة التفاصيل؛ من إجراءات السفر الهادئة، إلى الرحلة على متن طائرة «السعودية» نحو قلب مشروع البحر الأحمر، وصولاً إلى الجزيرة التي تحولت اليوم إلى أحد أكثر المشاريع السعودية طموحاً وهدوءاً في آنٍ واحد.
تقع «شورى» بين أملج والوجه على الساحل الغربي للسعودية بمنطقة تبوك، وتُعد الجزيرة الرئيسية في وجهة البحر الأحمر السياحية، لكنها لا تُشبه الوجهات المعتادة التي تتكاثر فيها الأبراج والإسمنت بقدر ما تشبه محاولة هادئة للتصالح مع الطبيعة، لا لمنافستها.
جزيرة لا ترفع صوتها
في «شورى»، لا شيء يبدو صاخباً أو متكلّفاً
حتى الفخامة هنا تأتي بهدوء؛ طرقات واسعة بلا ازدحام، ومنتجعات تتوارى خلف المشهد الطبيعي أكثر مما تفرض نفسها عليه، وبحر يمتد بلونه الفيروزي الصافي حتى يبدو وكأنه يعكس الضوء لا السماء.
المشروع يعمل بالكامل بالطاقة المتجددة، ضمن توجه الاستدامة الذي يتبناه مشروع البحر الأحمر، ويضم 11 منتجعاً فاخراً، إضافة إلى ملعب غولف، ومراسي يخوت، ومرافق ترفيهية متعددة، لكن اللافت أن كل هذه العناصر لم تُبنَ على حساب البيئة البحرية أو الشعاب المرجانية، بل جرى تصميمها لتنسجم معها.
لا تُقدَّم «شورى» باعتبارها مشروعاً عمرانياً على البحر فحسب، بل كنموذج جديد للسياحة الهادئة؛ سياحة تمنح الطبيعة المساحة الأولى، وتمنح الزائر شعوراً نادراً بالعزلة المريحة بعيداً عن صخب المدن وإيقاعها المتسارع.
خمسة أيام من الهدوء والمتعة
خلال خمسة أيام قضيتها في الجزيرة، بدا الوقت مختلفاً.
الصباحات تبدأ على صوت البحر، والليالي تنتهي بهدوء يكاد يكون جزءاً من هوية المكان. حتى الطعام لم يكن مجرد تجربة فاخرة تقليدية، بل امتداداً لفكرة الجزيرة نفسها؛ نكهات بحرية طازجة، ومطاعم تمزج بين الطابع المحلي والأسلوب العالمي.
كل منتجع في «شورى» يحمل هوية مختلفة، حتى في مطابخه، إذ تستلهم بعض المطاعم تجاربها من مطابخ عالمية متنوعة، ما يمنح الزائر شعوراً بأنه ينتقل بين ثقافات متعددة وهو لا يزال داخل الجزيرة ذاتها.
حين تتحدث اللغة في قلب البحر الأحمر
ورغم جمال البحر والمنتجعات، بقيت أكثر اللحظات رسوخاً في الذاكرة بعيدة عن الفخامة والمشهد البصري.
كانت لحظة إنسانية بسيطة صنعتها موظفة استقبال أوزبكية تُدعى «صوفيا».
منذ وصولي، استقبلتني بود واضح واحترافية عالية، وكانت تتحدث الإنجليزية بطلاقة طوال فترة الإقامة. وبعد أيام من الحديث اليومي، سألتها عن موطنها، فأخبرتني بأنها من أوزبكستان.
حينها بادلتها الحديث باللغة الأوزبكية، مستفيداً من إتقاني للغتين التركية والأوزبكية، لتظهر على وجهها دهشة عفوية ممزوجة بسعادة حقيقية. لم تكن تتوقع أن تجد من يحدثها بلغتها الأم في قلب البحر الأحمر.
وقبل مغادرتي المنتجع، فاجأتني بهدية تذكارية صغيرة تحمل صوراً ومعالم من أوزبكستان، مع دعوة صادقة لزيارة بلادها يوماً ما.
ربما كانت لحظة عابرة في نظر البعض، لكنها بالنسبة لي اختصرت شيئاً مهماً عن «شورى»؛ المكان لا يكتفي بتقديم الفخامة، بل ينجح أيضاً في صناعة التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي تبقى في الذاكرة طويلاً بعد انتهاء الرحلة.












