تعمل هيئات حقوقية سورية بشكل حثيث على إعداد ملف قضائي شامل يهدف إلى محاسبة فادي صقر، القيادي السابق في مليشيات النظام السوري، لتورطه المزعوم في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وكشف مسؤول سوري رفيع لصحيفة الغارديان البريطانية أن صقر، الذي قاد مليشيا “قوات الدفاع الوطني”، يُعد من أبرز الشخصيات المتهمة بالمشاركة في عمليات قتل جماعي وإخفاء قسري طالت مئات المدنيين، لا سيما في حي التضامن بالعاصمة دمشق، إلى جانب مناطق سورية أخرى.
جذور المأساة والسياق التاريخي لمجازر حي التضامن
لفهم أبعاد هذه القضية، يجب العودة إلى السنوات الأولى للصراع السوري. مع تحول الاحتجاجات الشعبية في عام 2011 إلى نزاع مسلح، لجأ النظام السوري إلى تشكيل قوات رديفة عُرفت باسم “قوات الدفاع الوطني” لمساندة الجيش النظامي. وقد برزت هذه المليشيات كقوة ضاربة استخدمت العنف المفرط ضد المدنيين. وفي عام 2013، شهد حي التضامن الدمشقي واحدة من أبشع المجازر التي وُثقت لاحقاً عبر مقاطع فيديو مسربة، أظهرت إعدام عشرات المدنيين معصوبي الأعين ورميهم في حفرة جماعية بطرق وحشية. وكان فادي صقر في تلك الفترة يشغل منصباً قيادياً بارزاً في هذه القوات بدمشق، مما يضعه في قلب التسلسل الهرمي للمسؤولية عن تلك الفظائع.
جهود الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية نحو محاسبة فادي صقر
عقب الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية حساسة تتطلب معالجة إرث ثقيل من الانتهاكات. وفي هذا السياق، أكدت نائبة رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، زهرة البرازي، أن الهيئة تعمل بتعاون وثيق مع الضحايا ومنظمات حقوقية لتجميع الأدلة اللازمة لإحالة القضية إلى القضاء السوري. وشددت البرازي على أن الأدلة المتوفرة كافية تماماً لملاحقة صقر، مؤكدة أن لا أحد فوق القانون، في إشارة واضحة إلى تزايد الضغوط الشعبية لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.
اعتقال أمجد يوسف وتصاعد الضغوط الشعبية
جاءت هذه التطورات بعد أيام قليلة من اعتقال أمجد يوسف، أحد أبرز المتورطين المباشرين في مجازر التضامن والذي ظهر في المقاطع المسربة وهو ينفذ عمليات الإعدام بحق نحو 300 مدني. ورغم تصدر يوسف واجهة القضية، يؤكد سكان الحي والناشطون أن المسؤولية لا تقتصر عليه كمنفذ، بل تمتد إلى القيادات العليا التي أصدرت الأوامر، ومن بينها فادي صقر. من جانبه، نفى صقر مسؤوليته عن المجازر، مدعياً أنه لم يعلم بها إلا عبر وسائل الإعلام، وأنه يثق في مسار التحقيقات، مضيفاً أن كل من يثبت تورطه يجب أن يُحاسب.
التداعيات المحلية والدولية لملف العدالة في سوريا
يحمل ملف محاكمة قادة المليشيات السابقة أهمية بالغة وتأثيراً عميقاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تُعد هذه الخطوة محطة مفصلية في مسار العدالة الانتقالية، وضرورة ملحة لشفاء الجراح المجتمعية العميقة التي خلفتها حرب دامت لأكثر من عقد وأسفرت عن مئات الآلاف من الضحايا. أما دولياً، فإن تقديم الجناة للمحاكمة يعزز من مصداقية المؤسسات السورية الجديدة أمام المجتمع الدولي، ويبعث رسالة حازمة بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.
التوازن بين الاستقرار والعدالة في المرحلة الانتقالية
أثار تعاون الحكومة السورية الجديدة مع صقر في ملفات أمنية عقب سقوط النظام موجة غضب واسعة بين الضحايا وعائلاتهم. وقد بررت الحكومة هذا التعاون المثير للجدل بالحاجة الماسة إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات العدالة وضمان الاستقرار الأمني، خصوصاً مع استمرار التهديدات من بقايا النظام السابق. غير أن تقارير أكاديمية موثوقة، مثل تلك التي قدمها الباحث أوغور أوميت أونغور، أثبتت أن مجزرة التضامن لم تكن حادثة منفردة، بل سلسلة عمليات قتل ممنهجة. ومع تصاعد الغضب الشعبي، يبدو أن كفة المحاسبة بدأت ترجح، حيث يرى الكثيرون أن اعتقال فادي صقر ومحاكمته سيكون بمثابة “يوم تحرير جديد” وأمل حقيقي لإنصاف الضحايا.
The post جهود حقوقية سورية من أجل محاسبة فادي صقر بتهم جرائم حرب appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.










