يشهد العالم طفرة تكنولوجية غير مسبوقة أعادت تشكيل مفاهيم الأمن القومي والدبلوماسية الرقمية، حيث برز الذكاء الاصطناعي في حملات التأثير السياسي كأداة حاسمة لتوجيه الرأي العام العالمي. وفي هذا السياق، كشفت تقارير استخباراتية وأمنية حديثة عن تسارع توظيف هذه التقنيات المتقدمة من قبل قوى إقليمية ودولية مثل إيران والصين، بالإضافة إلى مجموعات إسرائيلية، لإنشاء وإدارة شبكات ضخمة من الحسابات الوهمية بشكل مستقل تماماً عبر منصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول الرقمي أثار مخاوف عميقة لدى المسؤولين الأمريكيين والباحثين في مجال الأمن السيبراني، الذين يحذرون من أن تغلغل الذكاء الاصطناعي في حملات التأثير قد يقوض نزاهة النقاشات العامة ويزعزع الاستقرار السياسي على نطاق عالمي.
توظيف الذكاء الاصطناعي في حملات التأثير: كيف يعمل الوكلاء الرقميون؟
وفقاً لما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أمريكيين ومحللين أمنيين، فإن الجهات الفاعلة لم تعد تعتمد على الأساليب التقليدية في إدارة الحسابات المزيفة. بدلاً من ذلك، قامت هذه الأطراف بالدمج بين نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر – لا سيما النماذج الصينية المتطورة – وما يُعرف بـ “الوكلاء الرقميين” (AI Agents). هؤلاء الوكلاء يمتلكون القدرة على تشغيل البرمجيات المعقدة، وكتابة النصوص، والتفاعل التلقائي مع المستخدمين الحقيقيين بمرونة عالية وبأقل قدر من التدخل البشري. وبحسب المصادر، نجح مئات الوكلاء الآليين في بناء شبكات معقدة على منصات شهيرة مثل “إكس” (تويتر سابقاً)، و”فيسبوك”، و”إنستغرام”، و”تيك توك”، حيث تولوا نشر مضامين سياسية مضللة وتأجيج الانقسامات حول القضايا الراهنة الحساسة.
من اللجان التقليدية إلى الأتمتة الكاملة: سياق تاريخي
لم تكن محاولات التدخل الرقمي وليدة اليوم؛ فالتاريخ القريب يشير إلى أن دولاً مثل روسيا وإيران والصين قد انخرطت بنشاط في حملات تأثير رقمية استهدفت الناخبين الأمريكيين والغربيين خلال الدورات الانتخابية الماضية، مثل انتخابات الرئاسة الأمريكية في عامي 2016 و2020. ومع ذلك، كانت تلك العمليات تعتمد بشكل كبير على “مزارع الذباب الإلكتروني” والتدخل البشري المستمر لصياغة الرسائل وتوجيهها. أما اليوم، فإن دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء المستقلين يمثل قفزة نوعية؛ إذ تتيح هذه التقنيات توليد محتوى مخصص ومقنع بلغات متعددة وبسرعة فائقة، مما يمنح الحملات قدرة غير مسبوقة على التوسع والانتشار الذاتي دون الحاجة لجيوش من الموظفين البشريين.
تأثيرات جيو-سياسية عابرة للحدود وقلق دولي
تتجاوز أهمية هذه التطورات مجرد التلاعب الفني لتصل إلى عمق الصراع الجيوسياسي الدولي والمحلي. على الصعيد المحلي الأمريكي، تتصاعد المخاوف من استغلال هذه الأدوات المتطورة لاستهداف الناخبين وتوجيه إرادتهم قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل. وقد أشارت التقارير الأمنية إلى أن الحملة الإيرانية المدعومة من الدولة كانت مقلقة للغاية؛ إذ استخدمت حسابات وهمية متقنة انتحلت صفة مواطنين أمريكيين عاديين يعيشون في مدن كبرى، وتمكنت من جذب ومتابعة نحو 80 ألف شخص خلال النصف الأول من العام الحالي فقط.
وفي سياق متصل، ارتبطت إحدى حملات التأثير في إسرائيل بشركة تسمى “IntelEye”، والتي أقرت باستخدام نموذج “ديب سيك” (DeepSeek) الصيني المفتوح المصدر في تجربة تهدف – بحسب زعمها – إلى اختبار سلامة النماذج وفهم آليات إساءة استخدامها. وأوضح أحد مؤسسي الشركة أنهم قاموا بشراء 10 آلاف حساب، كان من بينها نحو ألف حساب نشط تفاعل مع المستخدمين، محققاً نجاحاً محدوداً ولكنه يثبت سهولة الوصول إلى هذه الأدوات وتطويعها.
معضلة الأمن الرقمي ومستقبل المنافسة التقنية
من جانبها، أكدت شركة “ميتا” المالكة لفيسبوك وإنستغرام أنها رصدت تطوراً تقنياً لافتاً في كيفية دمج الذكاء الاصطناعي من قبل جهات خبيثة تسعى لتوجيه الرأي العام. وأوضحت الشركة أن الأنظمة الآلية أصبحت قادرة على إنتاج المحتوى وتكييفه وتوزيعه بشكل مستقل تماماً. هذا واقع جديد يفرض تحديات هائلة على منصات التواصل الاجتماعي والحكومات على حد سواء في كيفية كشف هذه الحسابات ومكافحتها.
وفي الوقت ذاته، يتصاعد الجدل داخل أروقة قطاع التكنولوجيا حول الحدود الأخلاقية والتقنية لتطوير النماذج مفتوحة المصدر. فبينما يطالب خبراء بفرض قيود صارمة وإجراءات حماية مشددة لمنع إساءة استخدام هذه الأنظمة، يرى آخرون ضرورة استمرار الابتكار المفتوح لضمان التفوق التكنولوجي ومواجهة الاحتكار، لا سيما في ظل المنافسة المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال الحيوي.
The post الذكاء الاصطناعي في حملات التأثير السياسي: سلاح النفوذ الجديد appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












