تُعد عمليات تطويل العظام واحدة من أكثر التقنيات الجراحية تقدماً في طب العظام الحديث. وقد شهدت خلال العقود الأخيرة تطوراً ملحوظاً نقلها من مجرد حلول محدودة للحالات المعقدة إلى إجراءات علاجية وتجميلية تُجرى وفق بروتوكولات دقيقة ومعايير عالمية. تعتمد هذه العمليات على مبدأ التمدد العظمي، وهو اكتشاف طبي أحدث ثورة حقيقية في قدرة الأطباء على تصحيح التشوهات وتحسين جودة حياة المرضى.
السياق التاريخي وتطور عمليات تطويل العظام
بالعودة إلى الجذور التاريخية لهذا الإنجاز الطبي، نجد أن الطبيب الروسي غافرييل إليزاروف هو من وضع أسس هذه التقنية في منتصف القرن العشرين، وتحديداً في عام 1951. في ذلك الوقت، كان الهدف الأساسي هو إيجاد حلول لإنقاذ وعلاج الجنود المصابين في الحرب العالمية الثانية والذين عانوا من كسور معقدة وتشوهات شديدة في الأطراف. اكتشف إليزاروف أن إحداث كسر جراحي محسوب داخل العظم، ثم فصل طرفيه تدريجياً، يسمح للجسم بتكوين خلايا عظمية جديدة تملأ الفجوة وتزيد الطول. ومع مرور الزمن وتطور التكنولوجيا الطبية، ظهرت أنظمة تثبيت أكثر دقة مثل المسمار النخاعي الممدد، والأجهزة الإلكترونية الذكية التي سمحت بتحكم أفضل في الإطالة وتقليل الألم وتسريع التعافي، مما جعل هذه العمليات أكثر أماناً وانتشاراً في العصر الحديث.
الأهمية الطبية والتأثير المتزايد لـ عمليات تطويل العظام
تكمن أهمية هذا التطور الطبي في تأثيره الواسع على مستويات متعددة. على الصعيد الدولي، تحولت هذه الجراحات إلى خيار متاح ليس فقط للعلاج، بل لأغراض تجميلية بحتة، حيث تشير التقارير إلى ارتفاع عالمي ملحوظ في الإقبال عليها لزيادة الطول ضمن حدود آمنة طبياً. أما على الصعيدين المحلي والإقليمي، فقد أسهم توفر هذه التقنيات المتقدمة في المستشفيات والمراكز المتخصصة في تعزيز جودة الرعاية الصحية، وتقليل الحاجة للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج. هذا التقدم يعكس تطور البنية التحتية الطبية وقدرتها على تقديم حلول جذرية تنعكس إيجاباً على الحالة النفسية والجسدية للمرضى.
دواعي الإجراء: بين العلاج والتجميل
تُستخدم هذه العمليات لعلاج مجموعة واسعة من الحالات الطبية. يؤكد استشاري جراحة العظام وتعديل التشوهات وتطويل العظام بمدينة الملك عبدالله الطبية بمكة المكرمة، الدكتور مشير منصور الزيادي، أن العمليات تُجرى لعلاج اختلاف طول الأطراف، وقصر القامة الناتج عن الأمراض الوراثية أو اضطرابات النمو، إضافة إلى التشوهات الخلقية أو القصر الناتج عن الإصابات والالتهابات. ويوضح الدكتور الزيادي أن الأطباء يُفرّقون بوضوح بين التطويل العلاجي لمشكلة طبية، والتطويل التجميلي لشخص سليم طبياً يرغب في زيادة طوله لأسباب شخصية، حيث يخضع الأخير لتقييم شامل. كما يشير إلى أن سوء التغذية، ونقص البروتين والكالسيوم وفيتامين د، أو وجود أمراض مزمنة كالسكري وأمراض القلب، تتطلب تقييماً دقيقاً قبل الجراحة لتجنب المضاعفات وضمان التئام العظام بشكل سليم.
التقنيات الجراحية ومعدلات الإطالة
من جانبه، أوضح استشاري جراحة العظام وترميم تشوهات الأطراف والتطويل، الدكتور عبدالوهاب الزهراني، أن العمليات تُجرى باستخدام تقنيتين رئيسيتين: الأولى هي التثبيت الداخلي عبر زرع قطعة معدنية داخل العظم يتم التحكم في تمددها مغناطيسياً، وهي توفر راحة أكبر للمريض. والثانية هي التثبيت الخارجي باستخدام جهاز إليزاروف، وهو الأنسب للتشوهات المعقدة أو لدى الأطفال لمرونته العالية. ويشير إلى أن العمر المناسب يختلف بحسب مرحلة النمو؛ إذ يمكن البدء للأطفال من عمر 4 سنوات بالأجهزة الخارجية، بينما يخضع البالغون للعملية بعد توقف النمو (بين 16-18 عاماً). ويتم التطويل بمعدل 1 ملم يومياً، حيث يحتاج تطويل 3 سم إلى 30 يوماً يعقبها نحو 60 يوماً لالتئام العظم بالكامل.
التعافي والعلاج الطبيعي: ركن أساسي للنجاح
حول مرحلة ما بعد الجراحة، أكد استشاري أول جراحة العظام والعمود الفقري، الدكتور أسعد المطوع، أن المريض يمكنه بعد انتهاء مرحلة التطويل ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي، بما في ذلك الرياضة وحمل الأوزان، شريطة الالتزام بخطة العلاج. ويؤكد أن مخاطر العملية قليلة نسبياً مع التقنيات الحديثة.
وفي سياق متصل، تشدد أخصائية العلاج الطبيعي والتأهيل، الدكتورة دانية باعشن، على أن نجاح الجراحة هو نتيجة تكامل دقيق مع برامج العلاج الطبيعي. وتشير إلى أن العلاج الطبيعي ليس مرحلة لاحقة، بل يبدأ من اليوم الأول، حيث تتعرض العضلات والمفاصل لضغط مستمر نتيجة إطالة العظم. يسهم العلاج في الحفاظ على مرونة المفاصل، تقوية العضلات، تنشيط الدورة الدموية، وتقليل التورم، مما يضمن استعادة جودة الحياة والحركة الطبيعية للمريض بأمان تام.
The post الدليل الشامل عن عمليات تطويل العظام لزيادة القامة appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












