شهدت فترة التسعينيات طفرة كروية هائلة للكرة السعودية، ولكن تظل دراسة إخفاق المنتخب السعودي في كأس العالم عام 1998 في فرنسا محطة هامة لاستخلاص الدروس الفنية والإدارية. بعد الإنجاز التاريخي غير المسبوق في مونديال 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية وبلوغ دور الـ16، ارتفع سقف الطموحات بشكل كبير. دخل الأخضر تصفيات 1998 بقوة، حيث تجاوز منتخبات ماليزيا، بنجلاديش، وتايوان بسهولة في المرحلة الأولية. وفي التصفيات النهائية التي ضمت الصين، قطر، إيران، والكويت، تصدر المنتخب مجموعته وتأهل مباشرة، محققاً واحداً من أفضل مشاويره في تاريخ التصفيات.
جذور التحدي: ما قبل إخفاق المنتخب السعودي في كأس العالم 1998
هذا التأهل السلس، مدعوماً بذكريات 1994، رسخ مشاعر الثقة المفرطة لدى الجماهير واللاعبين على حد سواء. كانت التشكيلة تضم الجيل الذهبي بقيادة محمد الدعيع، سامي الجابر، سعيد العويران، وفؤاد أنور، إلى جانب مواهب محلية فذة مثل يوسف الثنيان وحسين عبدالغني. وتحت قيادة المدرب البرازيلي الشهير كارلوس ألبرتو باريرا، الذي قاد البرازيل للقب 1994، كانت الآمال تعانق السماء. تاريخياً، كان يُنظر إلى هذه المشاركة على أنها فرصة لتأكيد الزعامة الإقليمية للكرة السعودية على المستوى الدولي، وإثبات أن إنجاز أمريكا لم يكن مجرد صدفة عابرة.
مواجهات حاسمة: صمود أمام الدنمارك وانهيار أمام فرنسا
بدأت البطولة بمواجهة الدنمارك، حيث قدم الأخضر أداءً متوازناً رغم النقص العددي المبكر بعد طرد المدافع محمد الخليوي (رحمه الله) في الدقيقة 19. هدد سامي الجابر ويوسف الثنيان المرمى الدنماركي، لكن الحارس الأسطوري بيتر شمايكل تصدى ببراعة، لتنتهي المباراة بهدف وحيد لمارك ريبر في الدقيقة 69. أجمع النقاد حينها أن نقطة التعادل كانت في المتناول لولا حالة الطرد التي أجبرت المدرب على تغيير تكتيكي بسحب مهاجم وإدخال مدافع.
أما المباراة الثانية أمام فرنسا (البلد المضيف)، فقد أظهرت الفوارق الفنية بوضوح. بدأ المنتخب السعودي بتنظيم دفاعي محكم (4-5-1)، لكن هدف تيري هنري في الدقيقة 36 كان نقطة تحول. اندفع لاعبونا للتعويض، مما منح وسط فرنسا بقيادة زين الدين زيدان السيطرة التامة. ورغم طرد زيدان بعد احتكاكه الشهير مع فؤاد أنور، إلا أن المساحات التي تركها الاندفاع السعودي سمحت للفرنسيين بتسجيل ثلاثة أهداف في آخر 15 دقيقة، لتنتهي المباراة بخسارة قاسية (0-4).
تأثير دولي وزلزال إداري: إقالة باريرا
كان لهذه الخسارة صدى دولي وإقليمي واسع، حيث أدت إلى قرار جريء بإقالة كارلوس ألبرتو باريرا، أفضل مدرب في العالم آنذاك، في منتصف البطولة. هذا القرار عكس حجم الضغوطات والطموحات التي تجاوزت حدود المعقول. تم تعيين المدرب الوطني محمد الخراشي، ليصبح أول مدرب سعودي يقود المنتخب في كأس العالم. في المباراة الأخيرة ضد جنوب أفريقيا، لعب الأخضر بلا ضغوط بطريقة (4-4-2)، وقدم أداءً مشرفاً انتهى بتعادل إيجابي (2-2)، حيث سجلت جنوب أفريقيا هدف التعادل في الوقت بدل الضائع.
تحليل فني: أسباب التراجع وغياب التجديد
عند تحليل أسباب هذا التراجع، نجد أن الطموح كان أكبر من الإعداد الفني والنفسي. في 1994، كان الهدف هو إثبات الذات وتجنب الخسارة، مما خلق دافعاً هائلاً. أما في 1998، فقد اعتبر اللاعبون التأهل للدور الثاني هدفاً مضموناً دون بذل الجهد التكتيكي والبدني الموازي. علاوة على ذلك، أخطأ باريرا بالاعتماد شبه الكلي على الحرس القديم، متجاهلاً ضخ دماء شابة ومواهب صاعدة كانت تتألق محلياً مثل نواف التمياط (20 سنة)، عبيد الدوسري (23 سنة)، طلال المشعل (20 سنة)، وخميس العويران. حُرم المنتخب من طاقات كانت قادرة على إحداث الفارق في المحفل العالمي. في النهاية، يبقى الدرس الأهم هو أن النجاح المستدام في كرة القدم يتطلب تجديداً مستمراً للعناصر واستقراراً فنياً طويل الأمد.
The post أسباب إخفاق المنتخب السعودي في كأس العالم 1998 appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












