لا خلاف على أن النزاعات المسلحة تترك ندوباً عميقة في النفوس والوجدان لا يمكن للزمن أن يمحوها بسهولة. ومع تصاعد الصراعات في مناطق مختلفة من العالم، يبرز أدب الحروب كأداة معرفية وإنسانية ملحة تدفع القراء للبحث في تاريخ وثقافات الشعوب المنكوبة. إن هذا النوع من الأدب لا يكتفي برصد المعارك، بل ينتصر للإنسان ويوثق صوته وسط ضجيج المدافع، محولاً الكوارث الإنسانية إلى تيمات إبداعية خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان لتخاطب الضمير العالمي.
أدب الحروب بين الكتابة اللحظية والتأمل التاريخي
يرى الروائي اليمني علي المقري أن الإبداع الأدبي الذي يُنتج أثناء النزاعات يحتاج إلى قراءة متأنية وفاحصة، بعيداً عن الأحكام الجاهزة التي تفترض ضرورة مرور سنوات طويلة لتخمر الفكرة واكتمالها. ويشير المقري إلى وجود كتابات إنسانية حية تُنجز في قلب الحدث، وتأخذ شكل اليوميات أو المشاهد الواقعية والسرد الفني المؤثر.
ومع ذلك، يؤكد المقري أن الحروب في كثير من الأحيان تكون خانقة للإبداع وليست خالقة له؛ إذ يصعب على الكاتب التركيز والكتابة بينما تهتز جدران منزله بفعل الصواريخ والمدافع، ناهيك عن المعاناة اليومية المتمثلة في انقطاع الكهرباء والماء وشح مقومات الحياة، وهي تجربة واقعية عاشها بنفسه مع اندلاع الحرب في اليمن، مما جعله يدرك تماماً معنى الإحساس بالعدم وجدوى اللاشيء في لحظات الاقتراب من الموت.
من تولستوي إلى درويش: تاريخ حافل بتوثيق الوجع الإنساني
تاريخياً، لطالما كان الإبداع الإنساني مرآة للنزاعات الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ. ويوضح الناقد مجذوب عيدروس، الأمين العام لجائزة الطيب صالح، أن التعبير عن مآسي الصراعات لم يتوقف منذ أن سطر ليو تولستوي ملحمته الخالدة “الحرب والسلام”، وسجل إرنست همنغواي تجربته العميقة في الحرب الأهلية الإسبانية. ويمتد هذا الإرث الفني ليشمل تجارب معاصرة في العراق، وفلسطين، وسورية.
لقد خلد التاريخ قصائد محمود درويش، وروايات غابرييل غارسيا ماركيز، وسفيتلانا أليكسييفيتش، إلى جانب لوحات بيكاسو (مثل غرنيكا) ودالي وغويا، كأعمال فنية وأدبية لا نزال نقرأها ونشاهدها بدهشة لا تنطفئ، لأنها لم تكتفِ بتصوير الفظائع بل ارتقت بالقيم الفنية والجمالية لتقدم وثيقة تاريخية حية للأجيال المتعاقبة.
التأثير الإقليمي والدولي: كيف تحول الكارثة الإبداع المحلي إلى عالمي؟
من جانبه، يرى الكاتب محمد الخير حامد أن الأزمات تلفت الأنظار إلى إبداعات الشعوب وتمنحها صوتاً مسموعاً على الساحة الدولية لم تكن تمتلكه في الأحوال العادية. فالنكبات تصنع المحفزات للكتابة وتخلق تيمات إبداعية قادرة على جذب التعاطف الإنساني العالمي وتقريب المسافات بين الثقافات.
وقد يتوج هذا الإبداع بجوائز عالمية رفيعة؛ مثل فوز سفيتلانا أليكسييفيتش بجائزة نوبل عن أعمالها التوثيقية، وحصول تشيماماندا أديشي على جائزة “أورانج” عن روايتها المؤثرة “نصف شمس صفراء”، وفوز مريد البرغوثي بجائزة نجيب محفوظ عن سيرته الروائية “رأيت رام الله”. إن هذه الأعمال لم تنجح لمجرد رصدها للدمار، بل لتميزها الفني وقدرتها على تفكيك الخطاب السلطوي والدعائي المصاحب للحروب.
أدب الحروب في السودان والبحث عن نافذة للأمل
في السياق السوداني، لم يكن الأدب بمعزل عن الأحداث المأساوية الأخيرة. فقد دون الكتاب السودانيون أعمالاً تراوحت بين الرواية، والقصة القصيرة، والمذكرات الشخصية التي توثق أهوال الحرب وقسوتها، وفي الوقت ذاته تبرز قيم التكافل والتضامن الاجتماعي التي تولد من رحم المعاناة.
وتؤكد الكاتبة سلمى المنفي أن الحروب سلاح ذو حدين؛ فبينما تنشغل وسائل الإعلام بنقل أخبار الدمار وإحصاء الضحايا، يسلط الأدب الضوء على هوية الشعوب وتراثها الغني الغائب عن الأنظار. وتتطلع المنفي إلى أن تظل شعلة الإبداع مضاءة بالفن والسرد والشعر، ممزوجة بأدوات العصر الحديث، لتبث الأمل من بين الأنقاض وتؤسس لمسار جديد في مسيرة الإبداع الأدبي السوداني.
The post أدب الحروب: كيف يوثق الإبداع مآسي الشعوب وينتصر للإنسانية؟ appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.










