هنا، في هذه الصفحة، قبل أسبوعين، كتب صديقي العظيم «محمد علي صديق» عن أربعين عاماً فصلت بين مقعدين صغيرين في مدرسة تحفيظ القرآن الكريم بضمد، وبين رجلين التقيا بعد أن أخذ كل واحد منهما نصيبه من الطرق والمدن والعمل وتجارب الحياة. قرأت كلماته أكثر من مرة، وفي كل قراءة كنت أجدني أمام شيء أكبر من حكاية صديقين افترقا ثم التقيا، حيث كنت أمام جزء من عمري أعاده إليّ صاحبه بعد أن حسبته استقر نهائياً في الذاكرة.
للطفولة شهودها. أشخاص عرفونا قبل أن تصبح لأسمائنا صفات مهنية، وقبل أن نمتلك بطاقات عمل، وقبل أن تعلّمنا الحياة كيف ننتقي كلماتنا ونخفي تعبنا ونظهر بالصورة التي تقتضيها أعمارنا ومسؤولياتنا. عرفونا ببساطتنا الأولى، بحقائب المدرسة ودفاتر الواجب، وبأحلام لم تكن تعرف شيئاً عن المسافات التي ستقطعها بنا الأيام. وكان محمد واحداً من أولئك الشهود.
أذكره من ضمد، من زمن كانت فيه الدنيا أصغر كثيراً مما صارت إليه، وكان يكفينا منها فصل دراسي وكتاب وصديق نأنس بقربه. أذكر تلك الصداقة التي لم تكن تحتاج إلى تعريف أو تفسير. كنا نعيشها وحسب، مثل أشياء كثيرة جميلة في الطفولة لا ندرك قيمتها إلا بعدما نبتعد عنها.
ثم مضى محمد إلى القنفذة، ومضيت إلى صبيا، وبدأت الحياة تكتب لكل منا فصولاً بعيدة عن الآخر.
أربعون عاماً.
الرقم وحده يثير الدهشة. جيل كامل يمكن أن يولد ويكبر ويصبح أباً خلال هذه المسافة. مدن تتغيّر، ووجوه تغيب، وبيوت تتبدل، وأناس يدخلون حياتنا ويخرجون منها. وفي زحام كل ذلك ظل اسم محمد موجوداً في مكان (ما) من الذاكرة، مرتبطاً بسنوات لا أستطيع أن أتذكرها من دون أن تمر صورته بينها.
وعندما جاءني اتصاله، حدث شيء يصعب وصفه.
ثمة أصوات تعيد ترتيب الزمن.
سمعت محمد، فشعرت بأن السنوات الأربعين انكمشت فجأة. عاد الفصل، والمقاعد، ووجوه المعلمين، وضمد القديمة، وتلك النسخة البعيدة من نفسي. كان صوته مفتاحاً لباب ظل مغلقاً كل هذه السنين، وما إن فُتح حتى خرجت منه التفاصيل تباعاً، طازجة على نحو مدهش، كأن الذاكرة كانت تحرسها بصمت.
سألنا عن بعضنا، ثم أخذ الحديث طريقه الطبيعي، بلا كلفة التعارف الجديد؛ لأننا، في حقيقة الأمر، لم نكن نتعارف. كنا نستأنف. وهذه واحدة من عجائب الصداقة القديمة: أنها قد تتوقف أربعين سنة ثم تعرف من أين تبدأ.
أما اللقاء، فكان امتحاناً جميلاً للذاكرة. فالذي سيأتيك رجل حملته الحياة أربعين عاماً، والذي تنتظره في داخلك طفل تركته ذات يوم على مقعد الدراسة. وبين الاثنين مسافة هائلة من التجارب والنجاحات والانكسارات والأفراح والمسؤوليات. وحين رأيت محمداً، لم أبحث في وجهه عمّا غيّرته السنون؛ بحثت عن صاحبي، ووجدته. وجدت ذلك الصفاء الذي لا يحتاج إلى ذاكرة كي تتعرّف إليه.
سافرنا معاً، وتحدثنا طويلاً. وكان أجمل ما في الحديث أننا لم نكن في حاجة إلى استعراض ما أنجزه كل منا خلال سنوات الغياب. المناصب والمهن والسير الذاتية تصبح تفاصيل صغيرة جداً أمام إنسان يعرفك منذ كنت تحمل حقيبتك المدرسية. أمام صديق الطفولة تسقط كثير من المسميات التي نجمعها في الطريق، ويجلس الإنسان باسمه الأول فقط.
محمد يعرف «علي» قبل أن يعرف الكاتب والصحفي والموظف، وأنا أعرف «محمد» قبل المهنة والمسؤولية وسنوات الخبرة. وهذه معرفة نادرة كلما تقدّم بنا العمر؛ لأن الذين يدخلون حياتنا لاحقاً يعرفون ما أصبحناه، أما أصدقاء البدايات فيعرفون من أين جئنا. لهذا كان لقاؤنا مختلفاً.
كنت أرى فيه زمناً كاملاً، وأستعيد من خلاله أشخاصاً وأماكن وروائح وأصواتاً حسبت أنني نسيتها. اكتشفت أن الذاكرة لا تفقد أشياءها العزيزة دائماً؛ أحياناً تخبئها في إنسان، فإذا عاد، أعادها معه.
قرأ محمد صداقتنا بقلبه وكتب عنها بذلك الوفاء الذي غمرني وأحرجني بمحبة لا أملك أمامها إلا الامتنان. وصفني بما أتمنى أن أكون أهلاً له، ورأى فيّ بعين الصديق ما قد لا أراه في نفسي. وبعض الكلمات لا نستطيع ردها بمثلها، لأن قيمتها تأتي من صاحبها ومن المسافة الطويلة التي قطعتها حتى تصل إلينا.
يا أبا عبدالرحمن..
كتبتَ أنك عثرت على صديق طفولتك، والحقيقة أنني كنت أنا أيضاً من عثر.
عثرت فيك على (فتى) من ضمد ما زال يحتفظ بمكان لصاحبه بعد أربعين عاماً. عثرت على رجل استطاعت الحياة أن تضيف إليه الكثير من دون أن تنتزع منه الوفاء. وعثرت، وهذا الأثمن، على جزء من نفسي كنت أظن أن الزمن أخذه معه.
أعدتني كلماتك إلى بيتنا القديم، ومدرستنا، ورفاقنا، وإلى زمن كانت قلوبنا فيه أخف، وكانت صداقاتنا تنشأ بلا حساب للمصلحة أو المكانة أو المسافة.
ولعل هذا هو سر الفرح الذي منحني إياه لقاؤنا: لم يعد إليّ صديق فحسب؛ عاد إليّ شيءٌ مني.
سنوات الإنسان لا تعود. تلك حقيقة نعرفها جميعاً. لكن الله يمنحنا أحياناً أشخاصاً يستطيعون أن يعيدوا إلينا معناها. ومحمد علي صديق واحد من هؤلاء.
أربعون عاماً كانت بين مصافحة ومصافحة، وبين وداع ولقاء. لكنها اليوم، وأنا أقرأ كلماته، تبدو أقصر من أن تهزم مودة بدأت على مقعد مدرسة.
شكراً يا محمد، لأنك بحثت عني.
وشكراً لأنك وجدْتني كما أحببت أن تجدني.
أما أنا، فأجمل ما وجدته في لقائنا أن (الصبيّيْن) اللذين افترقا ذات يوم في ضمد، ظلّا طوال الطريق يحتفظ كل منهما للآخر بمقعد فارغ في الذاكرة.
وعندما التقينا أخيراً، جلس كل واحد منّا في مكانه القديم.
أحبّك.












