أعرفُ أنكَ أتيتَ من قريتكَ
ورائحتُكَ كحنطةِ الطواحين،
وقصائدُكَ مكتوبةٌ بكحلِ الفلاحات.
أعرفُ أن فمَكَ مليءٌ بطينِ المحبة،
وبأن قدميكَ غارقتانِ بوحلِ الأرض،
وأن كتفيكَ العريضتينِ سوفَ تحجبانِ عينَ الشمس،
وبأن جلابيتَكَ المخمليةَ تخفي بداخلها سمنةً مفرطةً؛
من أكلِ البط، وفطيرِ أمكَ المعجونِ بالحنين…
أعرفُ أنكَ سوفَ تسألني: كيفَ حالي؟
وبأنكَ تأخرتَ عن مواعيدِ الأحلامِ كي تبيعَ مواشيَ العمةِ فاطمة،
وأنكَ سوفَ تشتري لي بيتًا صغيرًا مصنوعًا من الأسمنت،
ونوافيرُ حديقتِهِ مصلوبةٌ كدموعِ الأمهات…
أعرفُ أنكَ هربتَ من تقاليدِ أجدادِكَ،
ومن عاداتٍ لم تعدْ صالحةً للحرية،
وبأنكَ لم تعدْ قادرًا على أن تحبني أكثرَ من نفسكَ،
وأن تشمَّ عطري الذي أربكَكَ، وأعادَ لكَ نشوتَكَ الضائعة…
أعرفُ أنكَ تريدُ إقناعي بأنكَ لم تعرفْ غيري من فتياتِ قريتكَ،
وبأن النساءَ الجميلاتِ مزروعاتٌ في طريقكَ كألغامٍ مؤقتةٍ
للانفجارِ في أيِّ لحظةٍ تحتَ رغباتِكَ،
وأنكَ تحتاجُ إلى رحمةٍ من الله؛
كي تخرجَ من هذا الضجيجِ الساكنِ في رأسكَ…
أعرفُ أنكَ أتيتَ من قريتكَ، تختلفُ معي في أشياءَ كثيرةٍ،
وبأنكَ غريبٌ في حبكَ، ووطنكَ، وحلمكَ، وأنوثتِي.
أعرفُ جيدًا أنكَ لا تملكُ سيجارةً واحدةً كي تشعلَها،
وتلوّنَ بدخانِها ألفَ حكايةٍ من ورقِ الذكريات،
وأن تنحتَ من خطاياكَ مرآةً أُشكّلُ بها وجهي وخيباتي،
حينَ لا أحبُّكَ كما أنتَ؛ قرويًّا قويًّا، تجلبُ الحبَّ من أرضٍ بور،
وتروي جفافَها من ثديِ العالم…
أعرفُ أنكَ أتيتَ وحدكَ من شقوقِ هذهِ الأرض،
الأكثرِ اتساعًا من قلبي،
والأقلِّ شوقًا من ساقيةِ الدمِ العالقةِ في ذهني،
وكقدَرٍ لا يقبلُ الرهان…
أعرفُ أنكَ أتيتَ من قريتكَ،
لا تستحقُّ كلَّ هذا القهرِ الشرسِ على أمنياتكَ،
وعلى الهستيريا المذعورةِ داخلَ جسدي الضيّق.












