من مخطوطات قديمة ما زالت بعض البيوت الأذربيجانية تحتفظ بها، إلى المدارس والجامعات ومراكز تعليم اللغات، تمتد حكاية العربية في أذربيجان؛ لغة عرفها الأذربيجانيون منذ قرون، وكتب بها علماؤهم، ولا يزال أثرها حاضراً في لغتهم وثقافتهم حتى اليوم.
وتؤكد الأكاديمية الأذربيجانية المتخصصة في اللغة العربية الدكتورة جولار قفقازلي أن الإقبال على تعلّم العربية يتزايد في بلادها، بالتزامن مع اتساع العلاقات مع الدول العربية والحاجة إلى متخصصين يتقنونها.
أمضت قفقازلي أعواماً في تدريس العربية وشاركت في تأليف كتب مدرسية لتعليمها، تحدثت لـ«عكاظ» عن حضور اللغة في المجتمع الأذربيجاني، والتحديات التي تواجه طلابها، والدور السعودي في دعم تعليمها، وما يمكن أن تفعله الجامعات والمؤسسات الثقافية في البلدين لتقريب السعوديين والأذربيجانيين أكثر.
• بدايةً.. أين تقف اللغة العربية اليوم في أذربيجان؟
•• تُدرّس اللغة العربية اليوم في مدارسنا الحكومية والخاصة وجامعاتنا، والاهتمام بها يتزايد يوماً بعد يوم. فبعد أن كان هناك مركز واحد فقط في أذربيجان يهتم بتعليم العربية، أصبح عدد هذه المراكز في ازدياد مستمر.
وأعتقد أن تعاون أذربيجان مع الدول العربية أسهم في زيادة الاهتمام بتعلم العربية في مجالات مختلفة.
• من خلال تجربتك في تدريسها.. ما أبرز ما يواجه الطالب الأذربيجاني؟
•• من أبرز الصعوبات قلة فرص التواصل مع الناطقين الأصليين بالعربية. صحيح أن اللغة العربية تُدرّس في مدارس التعليم العام والجامعات لدينا منذ زمن، لكن الطالب يحتاج إلى فرصة أكبر لممارسة اللغة.
وأعتقد أن تنظيم لقاءات دورية مع متحدثين أصليين بالعربية، ولو مرة واحدة في الشهر، سيكون مفيداً جداً للطلاب.
• شاركتِ في تأليف كتب مدرسية للغة العربية.. برأيك، لماذا يتعلمها الجيل الجديد؟
•• لأن العربية جزء من تاريخنا أيضاً. تعلّم أجدادنا اللغة العربية مع انتشار الإسلام في أذربيجان، وكتبوا وأبدعوا بها، وحتى اليوم ما زالت بعض المنازل تحتفظ بكتب من العصور الوسطى مكتوبة باللغة العربية.
هدفنا أن يتمكّن الجيل الجديد من فهم ماضيه والتعمّق فيه، وأن يستطيع قراءة المخطوطات المكتوبة بالعربية والكشف عنها، وفي الوقت نفسه نريد أن نغرس حب هذه اللغة في نفوس الطلاب.
كما أن تعلّم العربية يفتح أمام الشباب فرصاً للعمل في مجالات عدة، منها الأدب والتاريخ والترجمة وغيرها.
• وكيف ينظر المجتمع الأذربيجاني إلى العربية؟ هل بقيت مرتبطة بالدين والتراث؟
•• هناك إقبال على تعلّم العربية في المجتمع الأذربيجاني، وغالبية السكان مسلمون، ولذلك هناك ارتباط تاريخي وثقافي بهذه اللغة. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك؛ فمع توسع العلاقات مع الدول العربية يتزايد الطلب على المتخصصين الذين يتقنون العربية، وأصبحت لها أهمية في الدراسة والعمل والتواصل.
• ما الذي بقي من أثر العربية في اللغة والثقافة الأذربيجانية؟
•• ما زلنا نستخدم الكثير من الكلمات العربية في لغتنا الأم، كما أن عدداً من العلماء الأذربيجانيين في العصور الوسطى كتبوا مؤلفاتهم باللغة العربية.
واليوم نعود إلى مؤلفات هؤلاء العلماء ونقرأها وندرسها، وهذا يعكس عمق حضور العربية في تاريخنا الثقافي والعلمي.
• كيف تقيّمين الدور السعودي في دعم تعليم العربية في أذربيجان؟
•• أود أن أعرب عن امتناني لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي لخدمة اللغة العربية وجميع العاملين فيه. المركز ينظم باستمرار دورات في اللغة العربية على مستوى عالٍ، وهي دورات قيّمة جداً للمعلمين والطلاب.
ومن خلال هذه الدورات نتعلم أساليب وتقنيات جديدة في تدريس العربية، ونتعرّف على أحدث ما يقدّم في هذا المجال.
• وماذا تقترحين لتعزيز التعاون الثقافي واللغوي بين السعودية وأذربيجان؟
•• الجامعات السعودية تتيح للطلاب الأذربيجانيين فرصاً للدراسة في المملكة لفترات مختلفة كل عام، وهذه مبادرة جديرة بالتقدير.
وأقترح إنشاء مركز للغة الأذربيجانية أو مركز ثقافي في المملكة، إلى جانب إرسال طلاب سعوديين إلى جامعاتنا للتدريب والاستفادة من الخبرات المتبادلة.
ولدينا أيضاً أفكار لمشروعات مشتركة؛ فهناك قرية في أذربيجان تُسمى «العرب»، لكن سكانها لا يتحدثون العربية اليوم. وقد يكون من المفيد أن يزورها باحثون سعوديون، ويتعرفوا على سكانها وعاداتهم وتقاليدهم ويدرسوها.
كما يمكن دعوة أدباء سعوديين إلى أذربيجان، بما يفتح مجالاً أوسع للتعارف والتواصل الثقافي.
• العلاقات بين المملكة وأذربيجان تتطور.. أين ترين الفرصة الأكبر لتقريب الشعبين؟
•• أعتقد أن تبادل العلماء والمعلمين والطلاب سيكون من أهم الوسائل لتعميق الروابط بين الشعبين من الناحيتين اللغوية والثقافية.
العلاقات بين المملكة العربية السعودية وأذربيجان تتطور، ومن المهم أن يواكب ذلك مزيد من التواصل المباشر بين الناس والمؤسسات العلمية والثقافية.
• وهل ترين مساحة أكبر للتعاون بين جامعات البلدين؟
•• بالتأكيد.. سيكون من المفيد لكلا الجانبين توسيع التعاون بين الجامعات السعودية والأذربيجانية في مجالات اللغة العربية والترجمة، إلى جانب تبادل الطلاب والأساتذة والباحثين.
هناك فرص يمكن الاستفادة منها، وسيكون توسيع هذا التعاون مفيداً للجامعات والطلاب في البلدين.
• بعد سنوات من تدريس العربية ودراستها.. ماذا تعني لكِ هذه اللغة شخصياً؟
•• أصبحت اللغة العربية بالنسبة لي، على المستويين الشخصي والأكاديمي، تعني فهم الحياة، وإدراك الإنسان لذاته، وجمال دينه، والقرب من الله.
العربية بالنسبة لي «مفتاح العلوم»، وبفضل هذا المفتاح أستطيع قراءة الكثير من العلوم وفهمها.
وأوصي المهتمين باللغة العربية في المملكة بأن يتعلموها بحب؛ لأنها تفتح الباب أمام علوم ومعارف كثيرة.
وأخيراً، أشكركم وأشكر صحيفة «عكاظ»؛ فلولا اللغة العربية ومعرفتي بها لما استطعت التواصل معكم، وأنا فخورة بهذه المعرفة.












