لم يخفت وهج إعجابي وتقديري بالمفكّر الروائي الدكتور سعيد بنسعيد العلوي، منذ لقائي الأول في مهرجان الجنادرية، من نحو عقد ونيّف، إلى اللقاء التالي في ملتقى أصيلة منذ أشهر، فشخصيّة السي سعيد تجمع بين أصالة كَمّ ثقافته، وجمّ أدبه، ورُقي أخلاقه، وعذوبة حديثه، واعتداده بتجربته، كتب في أدبيات الدولة، وناقش الفكر الإصلاحي، وتناول سيرة علّال الفاسي. وخاض غمار الرواية، وصاغ أعذب وأعمق المقالات.. وهنا شواهد على متانة ومكانة شخصية بالغة الثراء المعرفي، فإلى نصّ الحوار..
• كيف كانت مكناس وقت ولادتك؟
•• مدينة لها جناحان، أو إن شئتَ فقل ذات شقين، على غرار كُبريات المدن المغربية؛ جناح (عصري) هو ذاك الذي استحدثه الاستعمار الفرنسي، وكان هذا الجناح أوروبياً في كل شيء، بنيَته، ساكنته، نظام العيش فيه، وشقٌّ أو جناح (تقليدي) هو المدينة الأصيلة، الإسلامية في نظامها وتنظيماتها، وكان الأمر كذلك بموجب الرؤية التي اختطها المُستعمِر الفرنسي، وفي المدينة الأصيلة وُلدتُ، ونشأتُ وتعلّمتُ، وكذا كل الجيل الذي أنتمي إليه.
• من اختار لك اسمك؟
•• اسمي الكامل مركّب، محمد السعيد، محمد اسم جدّي لأمّي، والسعيد جدّي لأبي، ففي اسمي حرص من أبي -رحمه الله- على ترضية الأم والأب معاً. وفي تصرف طائش من الإدارة الفرنسية سيحذف محمد من الاسم وكذا ألف التعريف ولامه (السعيد) ليغدو «سعيد»، دون أن تحذف التسمية عائلياً، وكذا من قبل الأصحاب.
• هل ترى أن للبيئة أثراً على الفرد، من خلال تجربتك الشخصية؟
•• هذا من باب تحصيل الحاصل. وبالنسبة لي كان الأثر قوياً وواضحاً. نشأت في محيط عائلي كان الغالب عليه أن رجاله كانوا من الفقهاء، والوالد كان يمارس مهنة التعليم في المعهد الديني بالمدينة، وكانت له في البيت مكتبة كتب ضخمة، متنوعة إلى حد ما ألفته يستل منها بعد ظهيرة كل يوم كتاباً يغرق في قراءته. كانت المكتبة ضخمة تضم كتباً في التاريخ والأدب وكتباً «عصرية» (في لغة ذلك الزمان) تخرج عن دائرة الفقه والتفسير والحديث. منها على سبيل المثال، كتاب «الهلال»، بعض منشورات «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، ومؤلفات في التربية والسير الذاتية. بيد أن تلك المكتبة كانت تبدو لي، في طفولتي عالماً غريباً لم أجرؤ على اقتحامه إلا عند بلوغي المرحلة الثانوية من الدراسة. بيد أن والدي كان يفرح باقتناء ما أطالب به مما كنت أراه في السوق أو أسمع عنه من كتب الأطفال. أشير أيضاً إلى أن صدر الوالد (وهو الفقيه أو «العالم الديني» المهاب الجانب) كان يتسع لأسئلة المراهق الذي كنته، بل ولمشاكسته أيضاً، فيقابلها بابتسامة وسخرية هازلة. ثم إن مكتبة عمومية في (المدينة، كانت غير بعيدة من البيت) أصبحت مكاناً أثيراً إلى نفسي منذ الثانية عشرة من عمري. ثم إنني كنت حريصاً على الذهاب إلى السينما والانغماس في عالمها مرة واحدة في الأسبوع، معتبراً ذلك حقّاً لا يمكن التساهل في إضاعته. وكنت محاطاً بثلة من الأصدقاء، أغلبهم من زملائي في المدرسة، فكنا نلعب سوية أطفالاً (في الحدود الزمنية المسموح فيها بالبقاء خارج البيت)، ثم تعلمنا أن نتسكّع في دروب المدينة العتيقة وأزقتها في حرية منتزعة حين غدونا مراهقين، ثم إننا تعلمنا، سوية، قراءة الروايات وكتب المغامرات؛ وأولها سيرة عنترة وألف ليلة وليلة، نتبادل الكتب والمجلات في متعة وفرح، ولا أريد أن أغفل عن ذكر الراديو وعوالمه الساحرة، نقلب محطات الإذاعة بحثاً عن الأغاني وبرامج التسلية. فهذه صور من البيئة التي نشأت فيها، إذ كان لها أثر قوي على عشقي للخيال وللقراءة وحب الموسيقى، وللأدب أثر قوي في تشكل شخصيتي.
حديث البيئة والتنشئة حديث ذو شجون، فأنا أمسك عن مزيد قول ولو أن في النفس أشواقاً، خشية أن يستغرقنا الحديث فيملأ مجال الحوار برمته.
• متى شعرت بأن مستقبلك مرتهن بالأدب والثقافة؟
•• في زمن المراهقة ومغادرة عالم الطفولة، كنت منبهراً بشخصية (الكاتب)، أشد ما يكون الانبهار، أرسم لها في الخيال صوراً وردية يزيدها التماعاً ما يحيط بأحاديث الأدباء ورواة سيرهم. كنت، على سبيل المثال، منبهراً بيوسف السباعي وبحديثه عن الضباط والجندية وعن صديقه النجم السينمائي أحمد مظهر. وكنت أرى في توفيق الحكيم مثلاً أعلى أحب أن أتشبه به في كل شيء؛ في عشق المسرح، وفي العيش شطراً من العمر، كما عاش في مدينة الفن والسحر والخيال. ثم أجدني، لاحقاً، منجذباً إلى إرنست همنغواي وعوالمه. كنت قارئاً نهماً للرواية، العربية والمترجم منها إلى العربية في مرحلة أولى، فالمكتوب منها باللغة الفرنسية أو المنقول إليها، في مرحلة ثانية. منذ الخامسة عشرة من عمري كنت أحلم أن أصبح (كاتباً) بدوري ولا أرضى بهذه الصفة بديلاً. (وكنت، في سر لا أطلع عليه إلا اثنين من أصدقائي) أكتب قصصاً قصيرة، ومسرحيات وما أزال حتى اليوم أحتفظ برواية، في الوقت الذي كان الأقران يكتبون خواطر ومذكرات وينظمون شعراً غير أنهم «نسوا» ذلك كله فانصرفوا عنه مع التقدم في مراحل الدراسة، إلا عبد ربه فقد ظل حلمه بأن يصبح (روائياً) ملازماً له، وظل دوماً قارئاً نهماً للرواية، وظل (الروائي) يسكن في جوفه حتى شاء الله، في مرحلة جد متقدمة من العمر أن يخرج الروائي من قبوه فيكتب وينشر روايته الأولى.
• بين عنايتك بالفكر الفلسفة وانشغالك بالإنتاج الروائي، من أنت في نظر نفسك؟
•• سؤال لعل الأجدر بي أن أطرحه على قارئي. حين نشرت روايتي الأولى (مسك الليل) -وصادفت بحمد الله استحساناً وترحيباً من ثلة من النقاد وأساتذة الأدب في الجامعة المغربية- أعتبر الأمر، في نظر غالبية الزملاء في الجامعة وكذا الصحفيين ونقاد الأدب، أن الأمر يتعلق في المغرب بـ(ظاهرة) جديدة: ظاهرة الروائيين الذين يفدون إلى الرواية من عوالم التاريخ والفلسفة والسياسة، فأنا أحد هؤلاء الوافدين. ثم إنني أخذت، بالتدريج، أفقد صفة (الوافد) فأصبح اسم العبد الضعيف يذكر، في جملة الذين يذكرون من الروائيين المغاربة، وأعترف أنه أمر يسعدني، بالقدر الذي يحرجني، فهو يخجلني؛ لأنني، في ذهني، أجعل للرواية مكاناً عالياً جداً من الإنتاج الفكري، ليس كل من ينعت بالروائي أهلاً لها -فلا تزال خشية أن أكون في عداد هؤلاء-. أكتفي بالقول إن خمساً من الروايات الست التي أصدرت، شكلت مواد لمذكرات ورسائل جامعية وفصولاً من كتب في النقد لأساتذة جامعيين.
• كم عدد إصداراتك إلى اليوم؟
•• ست روايات، وخمسة عشر كتاباً نظرياً؛ أحدها باللغة الفرنسية، وثلاثة مؤلفات جامعية، مساهمتان اثنتان منها باللغة الفرنسية أيضاً. وصدر أغلب ما نشرته في دور نشر لبنانية وأخرى مصرية، وصدر القليل منها في المغرب ضمن منشورات كلية الآداب في الرباط.
• من الذي ترى أنه «أبو الفلسفة» في المغرب؟
•• لا جدال أنه المرحوم محمد عزيز الحبابي. فهو صاحب أول أطروحة لنيل شهادة الدكتورة (جامعة السوربون سنة 1954)، وهو أول الفلاسفة المغاربة الذين يرتبط اسمه بابتداع مذهب فلسفي (الشخصانية الإسلامية). ثم إن اسم عزيز الحبابي يرتبط في أذهاننا بتأسيس الجامعة العصرية الأولى في المغرب وبدرس الفلسفة فيها: جامعة محمد الخامس.
• كيف يمكن أن تنعكس ثقافة النخبة على سلوك المجتمعات؟
•• لعل القصد بالنخبة في سؤالك، فيما أقدر، هي النخبة الثقافية أو محيط الفئة من الناس التي تنعت بالمثقفين. فإذا كان كذلك فإنّ الجواب عندي يتعلق، من جهة أولى، بالصورة التي ترتسم للمثقف في الوعي الاجتماعي العربي وبالدور الذي نرى أنه له. ويتعلق، من جهة ثانية بارتفاع النسب المئوية لتداول الكتب والمجلات والإقبال على البرامج الثقافية التليفزيونية، وكذا المواقع الثقافية في الشبكة العنكبوتية. ومتى قارنا هذه النسب، في عالمنا العربي، بمثيلاتها في دول أوروبا وأمريكا (شمالها وجنوبها)، وكذا بالدول العظمي في جنوب شرق آسيا فإنّ الأمر يبعث على الآسف والإشفاق من واقعنا العربي. نخبنا المثقفة أبعد ما تكون قدرة على التأثير في مجتمعاتنا العربية. وإذا كان الدور الأساسي للمثقف هو صناعة الوعي والدفع إلى الأمام فإن نخبنا العربية المثقفة في واقعنا الحالي لا تملك من الأمر شيئاً.
• ما موقفك من الجوائز؟ وهل ترى أنها خالية من «الانحياز»؟
•• أود، بمناسبة هذا اللقاء أن أحيي، بصدق وقوة، كل الجهات التي تنظم جوائز للكتاب في عالمنا العربي: جهات رسمية حكومية ومبادرات تنبع من المجتمع المدني. ثم أضيف، عقب التحية والتنويه، أن الأمر ربما لا يخلو، في بعض الأحوال، من سوء تصرف يشوب تنظيم الجائزة (بدءاً من تكوين لجان القراءة والاختيار، وانتهاءً بالبث النهائي الذي يرجع لأسباب متعددة (أجدني في غنى عن ذكرها). وعلى كلٍّ فإن الجهات التي تتولى التخطيط والتدبير (سواء كانت جهات حكومية أو ترجع إلى المجتمع المدني) مطالبة -فيما يبدو لي- بالقيام بمراجعات شاملة قصد القضاء على تفشي ظاهرة «الشللية» (كما يقول الإخوة المصريون)، وباقي الظواهر الأخرى التي تسيء إلى سمعة الجائزة وتشوه صورة الجهة التي تنتمي اليها، ناهيك عن الانعكاسات السلبية على العمل الثقافي وعلى الكتاب العربي.
• متى بدأت علاقتك بالثقافة السعودية؟ ومن أول من لفت انتباهك إليها؟
•• إذا كنت تقصد بالثقافة السعودية الثقافة من حيث هي تعبير ثقافي يتصل بالمجتمع والإنسان السعوديين تحديداً، فإن الجواب المباشر أن هذا الاتصال ابتدأ بالتليفزيون، وما جعلني ألج من عالم السعودية (خارجاً عن صورة السعودية موطن مكة والمدينة وبلد الحج والعمرة)، ثم بدأت تجتمع لدي مشاهدات واتصالات مباشرة مكنني منها حضوري مرات عدة فعاليات مهرجان الجنادرية. وأما إذا كنت تقصد بالسؤال الفكر والثقافة في معنى (الثقافة العالمة) -كما يتحدث عنها علماء الاجتماع- فإن علاقتي بهذه الثقافة علاقة قديمة بتوسط المثقفين السعوديين الذين عرفتهم في العديد من الملتقيات الفكرية، في العالم العربي وخارجه. وكذا الذين عرفتهم من خلال مؤلفاتهم (في الرواية، والفكر السياسي، والدراسات النقدية، وفي صفحات الرأي في الجرائد العربية ذات التوزيع الواسع). وإنني أعتز باكتساب صداقة كوكبة عظيمة من الأصدقاء ترد على الخاطر عفواً أسماء أذكر منها عثمان الرواف، معجب الزهراني، عبدالله الغذامي، أبوبكر باقدر، تركي الحمد، مشاري الذايدي، تركي الدخيل. وأذكر من الذين أسعدني الحظ بمعرفتهم الشاعر السفير والوزير عبدالعزيز خوجة، والوزير أخي إياد مدني، والفاضل النبيل عبدالعزيز السبيل، وأرجو أن تصلهم من خلال هذا المنبر الكريم تحياتي وصادق مودتي، وأستدرك فأقول إن من ذكرت لا يشكلون بالنسبة لي لائحة مقفلة، فإخوتي في المملكة كثر، ومنهم من صار إلى عفو الله، فأنا أترحم عليه.

