لقد كان والدي فلاحاً يحب الأرض كثيراً، ويطيل فيها البقاء مثل جذرٍ أبديٍّ.لم تجد أمي حين تشتاق له طريقةً سوى أن تطشَّ على طول الطريق المؤدي إلى المنزل حباتِ قمحٍ، فيتتبَّعَها والدي مُنحنياً، حبةً حبةً، إلى أن يقع في فخ البيت، وهكذا كانت تمسكه.لكن سنوات العجاف هجمت بأكياسها الفارغة، ولم يعد لدى أمي ما تُغري به زوجها، فعاد إلى منفاه الأخضر من جديد، هناك في المزرعة، حيث انسلخت لغته الآدمية، وصار يحاور الريح، ويفك طلاسم أجنحة الحمام، حتى استحال هو نفسه طيراً لا يطير.هو فلاح وفيٌّ وعنيد، لم يعد يفهم شيئاً من كثرة مكوثه في الأرض غير لغة الطير؛ لذلك، حين دنت منه سكرة موته، كأن عصفوراً نزع روحه بحنوٍّ فائق.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version