أَيُّهَا المَلَاكُ الجَمِيلُ الَّذِي يَحْتَرِقُ قَلْبِي اشْتِيَاقًا إِلَيْهِ:
مَرَّ يَوْمُ الثَّالِثِ مِنْ حُزَيْرَانَ لِهَذَا العَامِ، وَهُوَ الذِّكْرَى السَّنَوِيَّةُ السَّابِعَةُ لِوَفَاتِكَ.
مَرَّ، وَلَمْ أَكْتُبْ لَكَ، لِأُثْبِتَ لِنَفْسِي أَنَّ تَارِيخًا مِيلَادِيًّا لَا يَهْزِمُنِي، وَأَنَّ وَرَقَةً دَمَوِيَّةً فِي رُزْنَامَةِ الحَيَاةِ لَا تَكْسِرُنِي!
مَرَّ عَابِقًا بِبَخُورِ أَدْعِيَتِي إِلَى اللهِ أَنْ يَرْحَمَ رُوحَكَ النَّقِيَّةَ، وَأَنْ يُكْرِمَ وِفَادَتَكَ إِلَى جِنَانِهِ، يَا يُوسُفِيَ الحَبِيبُ.
مَرَّ، وَلَمْ أَنْسَ أُولَئِكَ الَّذِينَ مَا احْتَرَمُوا قَدَاسَةَ وَفَاتِكَ، فَهَرْوَلَتْ شَهَوَاتُ بُطُونِهِمْ لِتَنَاوُلِ اللُّحُومِ المَشْوِيَّةِ قُرْبَ قَبْرِكَ، بَعْدَ وَفَاتِكَ بِشَهْرٍ؛ وَمَا زِلْتُ مَصْعُوقَةً: كَيْفَ اسْتَطَاعُوا الجُلُوسَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ، قَرِيبًا جِدًّا جِدًّا مِنْ قَبْرِكَ، وَهُمْ يَشْوُونَ وَيَطْبُخُونَ؟
عِنْدَمَا دَعَوْنِي لِلذَّهَابِ مَعَهُمْ، ارْتَجَفَ قَلْبِي!
قُلْتُ لَهُمْ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آكُلَ هُنَاكَ؛ سَأَتَخَيَّلُ يُوسُفَ يَتَحَسَّرُ عَلَى عَدَمِ وُجُودِهِ مَعَنَا!
ظَنَنْتُهُمْ (بَنِي آدَمِينَ)، سَيَحْتَرِمُونَ مَشَاعِرِي، وَيَتَسَمَّمُونَ فِي مَكَانٍ آخَرَ!
لَكِنْ، عَلَى مَا يَبْدُو، طَابَ لَهُمْ جُرْحِي، وَلَا سِيَّمَا تِلْكَ الأَفْعَى صَاحِبَةُ الدَّعْوَةِ، الَّتِي وَزَوْجُهَا اسْتَأْثَرَا بِتَابُوتِكَ، طَمَعًا فِي بَيْعِهِ!
تَخَيَّلْ، يَا رُوحَ قَلْبِ أُمِّكَ، أَنَّنِي عِنْدَمَا سَأَلْتُ إِحْدَاهُنَّ:
كَيْفَ نَزَلَتِ اللُّقْمَةُ بِحَلْقِكِ؟
قَالَتْ بِلَهْجَتِهَا، وَصَوْتِهَا القَمِيءِ:
وَيْ، الحَيُّ أَبْقَى مِنَ المَيِّتِ!
(وَيْ)، الَّتِي يَسْتَخْدِمُونَهَا بَدَلًا مِنْ (وَيْل)، أَكْرَهُهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَهَا يَنْفَرِدُونَ بِهِ، وَيَنْفَرِدُونَ بِكُلِّ حَقَارَاتِ العَالَمِ!
وَالمُضْحِكُ المُبْكِي، يَا حَبِيبِي، أَنَّ تِلْكَ المَأْفُونَةَ الَّتِي سَأَلْتُهَا، كَانَتْ أَكْثَرَ مَنْ لَطَمَ، وَهَاجَ، وَمَاجَ فِي جَنَازَتِكَ، وَوَاللهِ لَمْ أُشَبِّهْهَا وَقْتَهَا إِلَّا بِالبَقَرَةِ الَّتِي تَعُجُّ جُوعًا إِلَى التِّبْنِ!
كَانَتْ تِلْكَ المُوَلْوِلَةُ النَّائِحَةُ، وَأَخَوَاتُهَا، يُرِدْنَ لَفْتَ أَنْظَارِ أَهْلِ القَرْيَةِ إِلَيْهِنَّ، أَنَّهُنَّ حَزِينَاتٌ أَكْثَرَ مِنْ أُمِّكَ الرَّصِينَةِ، الهَادِئَةِ، المَاشِيَةِ فِي جَنَازَتِكَ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِهَا صُرَاخٌ، أَوْ عَوِيلٌ، بَلْ «الحَمْدُ لِلَّهِ»، وَ«اللهُ أَكْبَرُ»، وَ«لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»، العِبَارَاتُ الإِيمَانِيَّةُ الَّتِي لَمْ يَأْلَفُوهَا؛ فَالضَّجِيجُ سُبْحَةُ شَيْطَانِهِمْ، وَالعَوِيلُ تَرْتِيلُ أَرْوَاحِهِمُ الشِّرِّيرَةُ، وَالوَلْوَلَةُ مُوسِيقَى الحُزْنِ عِنْدَهُمْ!
مَا زِلْتُ أَتَذَكَّرُ احْتِقَارَ أَهْلِ القَرْيَةِ لَهُمْ، وَهُمْ مُلْتَفُّونَ حَوْلَ الطَّعَامِ يَأْكُلُونَ كَوُحُوشِ البَرِّيَّةِ السَّائِبَةِ، فَيَسْأَلُنِي أَهْلُ القَرْيَةِ بِذُهُولٍ:
مُو هَدُولْ بَيْت (…) اللِّي كَانُوا عَمْ يَاكْلُوا جَنْبْ قَبْرِ ابْنِكِ، اللهُ يَرْحَمُهُ؟
فَكُنْتُ أَقُولُ: نَعَمْ، هَدُولْ اللِّي اليَهُودُ مَا عَمِلُوا عَمَايِلَهُنَّ!
آهٍ، يَا يُوسُفِيَ الحَبِيبُ، أَتَعْلَمُ؟
إِنَّ أَكْثَرَ مَنِ احْتَقَرْتُهَا، تِلْكَ الَّتِي أَتَتْ مِنْ قَرْيَةٍ أُخْرَى، أَكَلَتْ، ثُمَّ طَلَبَتْ مِنْ أَبِيكَ أَنْ يُوَصِّلَهَا!
(قَاعِدَةٌ، آكِلَةٌ، شَارِبَةٌ، وَرَاجِعَةٌ عَلَى حِسَابِ بَابَا، يَا حَبِيبِي)!
لَمْ تُفَكِّرْ أَنْ تَأْتِيَ لِتُطَيِّبَ خَاطِرِي بِكَلِمَةٍ، أَنَا الجَالِسَةُ عَلَى الأَرِيكَةِ فِي الصَّالَةِ، قُرْبَ النَّافِذَةِ، أَبْكِي، وَأَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، أَتَخَيَّلُهُمْ يَنْهَشُونَ لَحْمَكَ، وَأَتَخَيَّلُ حُزْنَ قَلْبِكَ عَلَى مَنْ زَعَمُوا حُبَّكَ، وَحُبَّ أَبِيكَ!
إِيِّيِيْهْ، يَا حَبِيبَ قَلْبِ أُمِّكَ!
وَاللهِ إِنِّي لَأَكْتُبُ بِسَعَادَةٍ عَنْهُمْ؛ فَقَدْ وَثَّقْتُ فِي رَسَائِلِي إِلَيْكَ كُلَّ قَذَارَاتِهِمْ، لِيُقَالَ يَوْمًا مَا:
رَحَلَ يُوسُفُ، وَمَثَّلَ كَثِيرُونَ الحُزْنَ عَلَيْهِ!
آهٍ، يَا حَبِيبِي!
أَكَادُ لَا أُصَدِّقُ أَنَّنِي احْتَمَلْتُ غِيَابَ وَجْهِكَ سَبْعَ سَنَوَاتٍ!
أَكَادُ لَا أُصَدِّقُ أَنَّ نُورَ ابْتِسَامَتِكَ انْطَفَأَ مُنْذُ سَبْعِ سَنَوَاتٍ!
أَكَادُ لَا أُصَدِّقُ بُطُولَتِي طَوَالَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ!
نَعَمْ، فَعَلْتُهَا؛ لَقَدِ احْتَمَلْتُ مُجَدَّدًا يَوْمَ ذِكْرَى وَفَاتِكَ، احْتَمَلْتُ وَطْأَةَ الذِّكْرَيَاتِ، بِحُلْوِهَا، وَمُرِّهَا.
فَمَرَّ ذَلِكَ اليَوْمُ حَافِلًا بِالصَّدَقَاتِ عَنْ رُوحِكَ الجَمِيلَةِ، لَا شَكَّ أَنَّكَ رَأَيْتَ أَخَوَيْكَ يُسَاهِمَانِ بِجُزْءٍ مِنْ مَصْرُوفِهِمَا، طَمَعًا بِأَنْ تَصِلَ أَعْمَالُهُمَا إِلَيْكَ، وَتَفْخَرَ بِهِمَا.
مَاذَا أُخْبِرُكَ عَنْهُمَا؟
يَا حَبِيبِي الجَمِيلُ، لَقَدْ كَبِرَا فِي غِيَابِكَ..
لَقَدْ كَبِرْنَا جَمِيعًا فِي غِيَابِكَ..
هُمَا كَبِرَا سِنِينَ، وَأَنَا كَبِرْتُ أَنِينًا!
آهٍ، يَا حَبِيبِي، أَكَادُ لَا أُصَدِّقُ أَنِّي نَعَوْتُكَ بِيَدِي!
مَا تَزَالُ مُلُوحَةُ الدَّمْعِ تُحْرِقُ خَدَّيَّ مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
وَمَا تَزَالُ غَيْمَتَا الحُزْنِ ثَاوِيَتَيْنِ فِي عَيْنَيَّ،
وَمَا تَزَالُ رَصَاصَةُ الوَجَعِ تُنْزِفُ ذَاكِرَتِي،
لَكِنِّي أُضَمِّدُهَا بِالصَّبْرِ، وَأَذُرُّ عَلَى جُرْحِيَ الكَثِيرَ مِنَ الإِيمَانِ!
سَلَامًا لِرُوحِكَ، يَا مَلَاكِيَ الجَمِيلَ،
وَسَلَامًا لِقَلْبِيَ العَلِيلِ.
أُمُّكَ المُوَلَّعَةُ

