يذهب بنا الكاتب إبراهيم زولي في إصداره الأحدث «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، إلى السيرة الإضافية للنص المحجوب؛ والتي تبدأ عندما يغادر الكتاب يد مؤلفه، ويجد نفسه في مواجهة قارئ أو مؤسسة أو محكمة أو جهاز رقابي، يعتقد أن في صفحاته ما يستدعي الإقصاء.

يدخل زولي إلى منطقة ظلت دائماً مثيرة للفضول: الكتب التي اصطدمت بالجهات الرقابية، أو الأخلاق السائدة، أو المؤسسات الدينية والتعليمية، أو أنظمة النشر والتوزيع، ويبدأ من تجربته الشخصية مع الكتاب، ومن ذاكرة طفولة وشباب كان فيها تداول بعض العناوين سراً سبباً كافياً لتضاعف الرغبة في الوصول إليها. تلك الخبرة المبكرة لا تتحوّل إلى حنين، بل إلى مدخل لسؤال الكتاب الأساسي: ما الذي يعنيه أن نقول إن هذا الكتاب أو ذاك كان ممنوعاً؟

ويجيب: هناك فرق بين منع رسمي شامل ومصادرة شحنة، وبين محاكمة كاتب ومنع عمله من التداول، وبين استبعاده من مكتبة مدرسية أو معرض كتاب وبين حظره قانونياً. ومن هنا يحرص زولي على التمييز بين درجات الرقابة وصورها، محاولاً ألا تتحوّل شهرة بعض الوقائع إلى حقيقة بديلة عن الوثيقة.

ويكشف المنهج عن وجه آخر للكتاب؛ فهو لا يحتفي بالممنوع لكونه ممنوعاً، ولا يفترض أن قرار الحجب يمنح العمل شهادة تفوق. القيمة الأدبية والفكرية، في نظره، شيء، وتاريخ المنع شيء آخر. إلا أن التاريخ يظل قادراً على الكشف عن طبيعة المجتمع والمؤسسة واللحظة التي رأت في نص ما ما يستوجب الخوف أو الاحتراز.

وضرب أمثلة بكتب عدة منها «القوقعة» لمصطفى خليفة و«نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد، و«الحرب القذرة» لحبيب سويدية مع «سفينة حنان إلى القمر» لليلى بعلبكي، و«الحريم السياسي» لفاطمة المرنيسي، ومع «الجنقو مسامير الأرض» لعبدالعزيز بركة ساكن، و«تاريخ الكويت» لعبدالعزيز الرشيد، و«الأوزان الباكية» لثريا قابل، و«كريستال» لجلبار نقاش، و«دادابا» لحسن مطلك، وصولاً إلى «ألف ليلة وليلة»، بما تمثله من تاريخ طويل في الجدل حول السرد واللغة والأخلاق.

ويؤكد أن الأسباب تتبدل من بلد إلى آخر ومن عصر إلى آخر، كما تتغير المؤسسات التي تتولى فعل المنع. وما يجمع تلك الأعمال ليس جنسها الأدبي، وإنما اللحظة التي خرج فيها النص من حيز القراءة إلى حيز القضية العامة.

وقارب بين العرب والغرب إذ عانت «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، و«أزهار الشر» لشارل بودلير، و«شيفرة دافنشي» لدان براون، و«الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، و«فهرنهايت 451» لراي برادبري، وجان جاك روسو بكتابه «إميل»، وأرونداتي روي بـ«إله الأشياء الصغيرة»، وهنري ميلر بـ«مدار السرطان»، وإدواردو غاليانو بـ«الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية»، إلى جانب نغوغي وا ثيونغو وألين غينسبيرغ وميغيل أنخل أستورياس وإيزابيل الليندي وأليكس هالي.

وأوضح أن الكتاب يتخطى الرقابة الكلاسيكية؛ في زمن المنصات والمتاجر الرقمية والخوارزميات، إذ لم يعد الحجب يحتاج دائماً إلى قرار ورقي، أو موظف جمارك. إلا أنه ربما يصبح التضييق أقل وضوحاً وأكثر فعالية: سحب كتاب من منصة، الحد من الوصول إليه، الضغط على الناشر، أو دفع الكاتب إلى مراقبة نفسه قبل أن يراقبه الآخرون.

وينتهي «نيران على الرفوف» إلى فكرة بسيطة في ظاهرها وشديدة الدلالة في جوهرها: الكتاب يمكن نقده وتفنيده والاختلاف معه، لكن البداية العادلة تظل أن يصل إلى القارئ. فالمعركة الحقيقية ليست بين كتاب ورقيب فحسب، وإنما بين حقين متعارضين: جهة رقابية تريد أن تختار للقارئ، وقارئ يطالب بأن يختار بنفسه.

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version