تعتبر ترويعة الراعي واحدة من أبرز ألوان الموروث الشفهي المتوارث عبر الأجيال في البادية والمناطق الجبلية، حيث تعكس لغة تواصل فريدة نُسجت تفاصيلها من واقع الممارسة اليومية وعلاقة الألفة بين الراعي وماشيته. وفي هذا السياق، يستعيد المهتم بالموروث الشعبي محمد الغزواني صدى هذا النداء التراثي الأصيل في شعاب جبال بلغغازي بمحافظة العيدابي بمنطقة جازان، حيث لا تزال هذه الأهازيج والنداءات التراثية تتردد بين جنبات الأودية والجبال حاملة معها إيقاعاً مألوفاً يجسد عمق ارتباط الإنسان بالأرض والمراعي.
الجذور التاريخية والسياق الثقافي لـ “ترويعة الراعي”
تمتد الجذور التاريخية لحرفة الرعي ولغتها الخاصة إلى أعماق التاريخ الإنساني في الجزيرة العربية، حيث كانت رعاية الماشية شريان الحياة الأساسي للمجتمعات القروية والبدوية. ومع مرور العقود، طور الرعاة نداءات صوتية وأهازيج نغمية محددة تُعرف بـ ترويعة الراعي، والتي لم تكن مجرد أصوات عشوائية، بل كانت نتاج خبرة طويلة وفهم عميق لسلوك الحيوانات. وتعد هذه الممارسات جزءاً لا يتجزأ من التراث الثقافي غير المادي الذي وثق طريقة عيش الآباء والأجداد وصمودهم في بيئات جغرافية متنوعة تتراوح بين السهول والجبال والشعاب الوعرة.
لغة تواصل فريدة بين الراعي وقطيعه
تتنوع نداءات الترويعة لتغطي كافة تفاصيل اليوم الجبلي أو الرعوي، فمنها نداءات مخصصة لجمع القطيع في الصباح الباكر وتوجيهه نحو المراعي الخصبة، ومنها نداءات تدعوه للمورد وشرب الماء، وأخرى تؤذن بوقت العودة مع غروب الشمس. أدت هذه النداءات دوراً وظيفياً ونفسياً هائلاً؛ إذ ألفت الماشية نبرة صوت راعيها وإيقاع أهزوجه، مما جعلها تستجيب له بسلاسة ودون الحاجة إلى استخدام الشدة. وقد أسهمت هذه الألفة في خلق التناغم بين الراعي وقطيعه وسط الطبيعة الصامتة.
أهمية الموروث الشعبي وتأثيره المحيط والمستقبلي
يمتد تأثير الحفاظ على هذا الإرث الشفهي من المستوى المحلي إلى الإقليمي والدولي؛ فعلى الصعيد المحلي والإقليمي، يسهم إحياء نداءات الرعاة وتوثيقها في تعزيز الهوية الوطنية وإعادة ربط الشباب والناشئة بتاريخ أجدادهم، فضلاً عن دعم السياحة الثقافية والمهرجانات التراثية التي تجذب الزوار لمشاهدة الاستعراضات الفلكلورية والاستماع لأهازيج الجبال. أما على المستوى الدولي، فإن التراث الشفهي المتمثل في الموروثات الرعوية يحظى باهتمام كبير من المؤسسات المعنية بحفظ التراث العالمي مثل منظمة اليونسكو، كونها تعبر عن التنوع الثقافي والتناغم البيئي بين الإنسان وطبيعته المحلية.
ختاماً، يظل الموروث الشعبي بكل ما يحمله من تفاصيل وتجارب إنسانية سجلاً حياً للذاكرة الوطنية. وإن جهود المهتمين بالتراث، أمثال محمد الغزواني، تلعب دوراً محورياً في نقل هذه الرسالة الثقافية إلى الأجيال المتعاقبة، لتبقى نداءات الأرض والقطيع حية تشهد على أصالة التاريخ وعمق العلاقة مع المكان.
The post ترويعة الراعي: أهازيج الموروث الشعبي في جبال بلغغازي appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












