من المتعذر على زائر مدينة أصيلة المغربية أن ينسى ملامح الفتنة المباحة للتكوين العمراني والفضاء الإنساني المتجذر في بيئتها الحميمية. لطالما افتتن زوار هذه المدينة العتيقة برونقها وألوان جدرانها وعبير أزقتها النابضة بالحياة، حيث نقشت بصمتها بعفوية في ذاكرة العالم وطبعت صورتها في الوجدان بسحر التنسيق الأثري للمساكن والحوانيت، والزنقات المفتوحة على زرقة الماء والسماء.
تاريخ عريق ونشأة أسطورية لمدينة أصيلة المغربية
تعود جذور المدينة إلى أعماق التاريخ، حيث صُنفت قديماً كإحدى المستوطنات الفينيقية والقرطاجية المتميزة. ولم تكن الجغرافيا وحدها هي من صنعت مجدها، بل اختزن التاريخ أثراً بالغ العمق في تفاصيل هويتها؛ فالمغرب وثقافته الحية لم يقفا عند حدود التأثير الجغرافي، بل أضاف إليهما الإنسان المغربي بعطائه المتواصل شحنة إبداعية متجددة. ومع ارتفاع صوت المؤذن لصلاة الفجر من الجامع الأعظم، تهب نسمات المحيط الأطلسي مؤذنة بتفاعل سماوي وأرضي فريد، يتحرك معه السكان بمختلف أعمارهم نحو متاجرهم وحياتهم اليومية بروحانية وبسمة رضا كسرت رتابة الزمن، في مشاهد تعكس قيم السلام والوئام التي يتميز بها أهل المغرب.
التحول الثقافي: الفن يكسو جدران المدينة العتيقة
شهدت المدينة تحولاً استثنائياً بفضل رؤية اثنين من أبنائها البررة: الوزير الراحل محمد بن عيسى والفنان التشكيلي العالمي محمد المليحي. فقد فضل هذا الثنائي بناء فضاء معنوي وفكري يوازي البناء المادي، فتهيأت الأرضية الثقافية اللافتة لأنظار العالم، والتي عززت استثمار الإنسان في التنمية. ومن هنا بدأ عناق الحجارة للألوان، واتصل الزمان بالمكان، ونجح أبناء المدينة العتيقة في مد جسور التواصل الحضاري الممتد إلى كل زائر يعبر شوارعها، لتتحول الجدران إلى لوحات جدارية تنطق بالجمال وتخاطب زوارها بمختلف اللغات.
حراك فكري وإرث حضاري يتجدد في قصر الريسوني
ليست أصيلة مجرد محطة سياحية عابرة، بل هي نمط حياة متناغم يعزز المثاقفة واللقاءات الفكرية. وفي أروقة “قصر الريسوني” التاريخي، تتردد كل مساء أصداء الفلكلور والندوات الفكرية التي تجدد العلاقة مع الثقافة والفنون والأدب. وعلى أبواب قصر الثقافة، يتجلى الحرص على حماية هذا الإرث الإنساني بجهود رجالاتها المحبين للتراث، وفي مقدمتهم حاتم البطيوي المسكون بهاجس الحفاظ على الموروث الحضاري وتحمل مسؤوليته. هذا المزيج الفريد منح أصيلة إشعاعاً محلياً وإقليمياً ودولياً جعلها نموذجاً ملهماً في الدبلوماسية الثقافية وتحويل التراث إلى قوة ناعمة تنبض بالحياة.
The post مدينة أصيلة المغربية: ملتقى الفنون والتاريخ الأطلسي appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












