
نشرت «عكاظ» أخيراً قصيدةً شاهقة الجمال، «وداعية» من الأديبة القديرة «عائشة النويمي» لزوجها الأديب الناقد الراحل «سعيد السريحي»؛ في تجسيدٍ حيٍّ لـ«فنِّ الرثاء المستحيل»، إنها حكاية عشق بدأت بين أديب وأديبة، وبالطبع هناك مسيرة من الفكر والحياة لا يقطعها رحيل أحدهما، لذلك خلّدتها الأديبةُ في قصيدتها «سيرة حب لا تنتهي»، لقد كان السريحي فارساً للكلمة، وحين ترجّل، لم تكن مرثيةُ رفيقة دربه نعياً تقليدياً/اعتيادياً، وإنما إعادةُ «تعريف» لمفهوم «الفقد» بلسان لا يملك إلا الشِّعر «لهجة».
تبدأ عائشة النويمي نصَّها بلعبة لغوية مذهلة في بساطتها، عميقة في فلسفتها وأثرها على المتلقي، حين تجعل من اسم «سعيد» مرادفاً لكل معاني الرغبة في الحياة، فتقول:
«أنا مرادي في الحياة سعيد.. وأنت مرادي في الحياة سعيد.. لكل سعيد في الحياة مراد.. وأنا مرادي في الحياة سعيد».
حوّلت النويمي اسم العلم إلى «قيمة مطلقة»، فالمحبوب ليس شخصاً عابراً، هو «المراد» الذي يمنح الحياة بهجتها ومعناها؛ إنَّ التكرار الموسيقي لاسم «سعيد» في مطلع القصيدة يمنحها نبضاً ولوناً، وكأنَّ الشاعرة تحاول بالنداء المتكرر أن تستحضر الغائب من غيابه، أو تقنع الموت بأنَّ «المراد» لا يزال هنا، في حنايا البيت والحروف.
بسلاسة تنتقل الشاعرة في القصيدة إلى منطقةٍ من «الدهشة» المختلطة بـ«الفجيعة»، وبمرارة تتساءل: «كيف انطفأت بدون عيد؟»؛ والعيد المعني والمقصود ليس زمناً احتفالياً، بل هو رمز لـ«التمام والاكتمال»؛ لأنَّ رحيل السريحي دون «أمنية أخيرة» أو «ردود» مسموعة هو ما ترك القلب معلقاً في زوايا «الدهشة/الحيرة/الفجيعة».
في ما بعد؛ تخاطبُ عائشة، -أو ربما تردُّ على نفسها- بلقب «عَيّوش» في حوارية داخلية موجعة؛ فتقول: «من مات يا عيوش ليس مسافراً»، وكأنها في هذه اللحظة تدرك الـ«لا جدوى من الانتظار وعبثيته»، ومع ذلك «هيهات» تأبى التسليم، وتصرّ على أنَّ لديها باقة فيها الكثيرُ من الأماني والوعود، وأنَّ في الأرض متسع للمزيد من الحب.
القوةُ الحقيقيةُ في النص تكمن في اعتراف النويمي -الأديبة والإنسانة- بعجز «الرثاء»، أمام هول الفقد، حين تسأل: «كيف أرثي مهجتي؟»، وتستطردُ بأنَّ قصائد الحب التي كانت تكتبها له في حياته كانت «أحلى»؛ لأنها كانت تملكُ طرفاً آخر يتلقاها، أما الآن -بعدما صار الشِّعر صوتاً في اتجاه واحد- صوتاً يبحث عن «عالي أركان بيتي» و«مؤنسي ورفيق دربي».
تختتمُ الأديبة عائشة النويمي «وداعيتها» بإعلان الاستسلام، والصبر الجميل، لـ«الحب والفقد» معاً: «كيف أخرج يا سعيد؟.. حاولت حتى دق قلبي.. فلن أزيد ولن أعيد!» في ما يشبه صرخة إنسانية تتماهى مع ما طرحته في مطلع سطوري حول «سحر الشِّعر»؛ فالمشاعر الصادقة حين تتجاوز حدود اللغة «العادية» تصبح «نشيداً» ساحراً لا يقبل التأويل ولا التكرار.
استطاعت «عائشة النويمي» أن تخلّد «سعيد السريحي» بكل كائن وبكل ما كان يمثله لها ولمن اقترب منه مفكراً وإنساناً، كـ«مرادٍ أزلي» لا يغيب، وحوّلت العزاء ووجع الرحيل إلى «نص سحري» يثبت أنَّ الرثاء الصادق ليس إلا وجهاً آخر من وجوه الحب الذي يبقى مهما أفل الأحبّة.











