بقلم: يورونيوز
نشرت في
أثار الإخراج المتعمّد للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض تكهنات بشأن اتساع الفجوة بين الرجلين، وسط تصريحات علنية متبادلة أوحت بتوتر علاقتهما، لكن استمرار التنسيق بين واشنطن وتل أبيب حيال إيران أعاد طرح السؤال: هل يعكس المشهد خلافاً حقيقياً، أم أنه مجرد توزيع مدروس للأدوار يخدم الطرفين سياسياً؟
اعلان
اعلان
وبحسب مقال نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، فإن طريقة التعامل مع زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن غذّت رواية وجود خلاف متصاعد مع ترامب، إلا أن الحكم على العلاقة من خلال المظاهر والتصريحات العلنية وحدها قد يكون مضللاً، خصوصاً أن كلاً منهما يحتاج إلى مخاطبة جمهوره الداخلي وإظهار استقلالية قراره.
هجوم إيران يخفف الضغط عن نتنياهو
جاءت زيارة نتنياهو في وقت كانت تتنامى فيه رواية تقول إنه توجّه إلى واشنطن للضغط على ترامب من أجل استئناف العمل العسكري ضد إيران، كما فعل قبل أسابيع من الهجوم الإسرائيلي-الأميركي المشترك في شباط.
لكن بعد ساعات من اجتماعهما في البيت الأبيض، أطلقت إيران خمسة صواريخ باليستية باتجاه قاعدة جوية أميركية رئيسية في الأردن، قبل أن تُعترض من دون تسجيل أضرار في البنية التحتية أو إصابات بين الجنود الأميركيين.
وردّت الولايات المتحدة والسعودية بعد ساعات بغارات جوية مشتركة استهدفت ميليشيات موالية لإيران في العراق، ما أدى إلى مقتل 20 شخصاً على الأقل. وفي الليلة التالية، نفذت القوات الأميركية موجة واسعة من الضربات داخل إيران، طالت عشرات المواقع، بينها مراكز للقيادة والسيطرة ومنشآت للصواريخ والطائرات المسيّرة.
ورأت الصحيفة أن الهجوم الإيراني منح نتنياهو متنفساً سياسياً غير متوقع، إذ أظهر أن ترامب لم يكن بحاجة إلى إقناع إسرائيلي لاستئناف الهجمات، بل إن استهداف القوات الأميركية هو الذي دفع واشنطن إلى التحرك.
وكان نتنياهو قد نفى، خلال مقابلة مع شبكة “إيه بي سي”، محاولته إقناع ترامب باستئناف ضرب إيران، واصفاً هذه الرواية بأنها “صورة كاريكاتورية” لا تعكس الحقيقة.
رواية تضر بالرجلين
مع ذلك، واصلت رواية استدراج نتنياهو الرئيس الأميركي إلى حرب مع إيران اكتساب الزخم في الولايات المتحدة، سواء لدى أطراف من اليسار الاشتراكي الديمقراطي أو من اليمين الذي يمثله الإعلامي تاكر كارلسون.
وبحسب “جيروزاليم بوست”، يمكن فهم جانب كبير من التصريحات التي توحي بوجود خلاف حاد بين نتنياهو وترامب في إطار محاولة مواجهة هذه الرواية، لأنها تلحق ضرراً سياسياً بكليهما.
فترامب لا يريد الظهور بمظهر الرئيس الذي ينفذ ما تطلبه إسرائيل، لما يحمله ذلك من تناقض مع شعار “أميركا أولاً”. وفي المقابل، لا يريد نتنياهو أن يبدو أمام الإسرائيليين وكأنه خاضع للرئيس الأميركي وغير قادر على اتخاذ قرارات أمنية انطلاقاً من مصالح إسرائيل وحدها، أو أنه يحوّلها، وفق تعبير زعيم المعارضة يائير لابيد، إلى “دولة تابعة”.
“الشريك الأكبر” و”الشريك الأصغر”
وعندما سُئل نتنياهو عن تصريح سابق لترامب قال فيه إنه صاحب القرار في علاقتهما، أشار إلى المفارقة بين الخطاب السياسي في البلدين، ففي الولايات المتحدة يقول منتقدو ترامب إنه ينفذ كل ما يطلبه منه نتنياهو، بينما يتهم خصوم نتنياهو في إسرائيل رئيس الوزراء بتنفيذ كل ما يمليه عليه ترامب.
وأكد نتنياهو أن الرجلين “شريكان وحليفان”، قبل أن يصف ترامب بأنه “الشريك الأكبر”، لأن الولايات المتحدة هي القوة الكبرى، فيما وصف نفسه بأنه “الشريك الأصغر”.
وربطت الصحيفة هذه اللهجة بتجربة نتنياهو الأولى في البيت الأبيض قبل 30 عاماً، عندما عقد اجتماعاً متوتراً مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بشأن اتفاقيات أوسلو. وأشارت إلى أن نتنياهو بدا في مقابلته الأخيرة حريصاً على عدم ترك أي التباس بشأن هوية الشريك الأقوى في العلاقة.
رسائل ترامب العلنية
بدوره، حرص ترامب خلال الأشهر الأخيرة على توجيه انتقادات علنية متكررة إلى نتنياهو، فوصفه بأنه “مجنون” ويفتقر إلى “حسن التقدير”، وشدد على أنه هو مَن يتخذ القرارات.
وعشية الاجتماع، قال ترامب للصحافيين إنه لا يحتاج إلى حضور نتنياهو إلى واشنطن لتزويده بمعلومات استخباراتية بشأن المنشأة النووية في جبل “بيكاكس”، كما أكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لن يملي عليه ما إذا كان يمكن للولايات المتحدة بيع مقاتلات “إف-35” إلى تركيا.
ورأت الصحيفة أن هذه التصريحات تهدف إلى تقويض الانطباع بأن نتنياهو يرسم السياسة الأميركية، فيما حرص الأخير بدوره على التشديد على أنه، بصفته رئيساً للحكومة، سيدافع عن مصالح إسرائيل وأمنها عندما يقتضي الأمر ذلك.
لقاء بعيد عن الأضواء
انعكست عملية التوازن بين الرجلين في طريقة تنظيم اللقاء أيضاً، إذ أبقى البيت الأبيض الزيارة بعيدة عن الأضواء. فلم يستقبل ترامب نتنياهو عند الرواق الشمالي، كما لم تُنظّم جلسة تصوير في المكتب البيضاوي، ولم يشهد اللقاء استعراضاً علنياً للود كما حصل خلال زيارات سابقة.
ودخل نتنياهو من مدخل جانبي، فيما استمر الاجتماع، الذي شارك فيه مسؤولون آخرون ولم يكن ثنائياً، أقل من 90 دقيقة، وهي تفاصيل حظيت باهتمام واسع في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
واعتبرت “جيروزاليم بوست” أن هذا الإخراج لم يكن عرضياً، إذ لم يكن من مصلحة ترامب تحويل الاجتماع إلى مشهد تلفزيوني حميم في وقت يسعى فيه إلى نفي فكرة أن نتنياهو يقوده أو يحدد قراراته.
لكن الصحيفة دعت في الوقت نفسه إلى عدم المبالغة في تفسير هذه التفاصيل، مشيرة إلى أن اللقاء كان القمة السابعة بينهما منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، والثامنة إذا احتُسب اجتماعهما بعد الانتخابات وقبل التنصيب. وبالتالي، ليس من الضروري أن تتحول كل زيارة بين زعيمين يلتقيان ويتحدثان هاتفياً بصورة متكررة إلى استقبال رسمي كبير.
اختلاف بشأن أهداف الحرب
ورغم الطابع الإعلامي لجزء من الخلاف، أقرت الصحيفة بوجود تباينات سياسية فعلية بين نتنياهو وإدارة ترامب بشأن إيران، وإن كان الطرفان متفقين على ضرورة منعها من تطوير أسلحة نووية.
وترغب إسرائيل في منح تغيير النظام الإيراني الأولوية بوصفه أحد أهداف الحرب، فيما تبدو أهداف الإدارة الأميركية أكثر محدودية في المرحلة الحالية، وتتركز على فتح مضيق هرمز وإعادة الاستقرار إلى منطقة الخليج.
كما يختلف الجانبان بشأن الوسيلة الكفيلة بمنع إيران من امتلاك قدرة نووية. فقد أظهر نتنياهو تشككاً كبيراً في إمكان التوصل إلى حل دبلوماسي، متهماً النظام الإيراني بالكذب والغش والمماطلة لكسب الوقت.
أما ترامب، فلا يزال يترك الباب مفتوحاً أمام التوصل إلى تسوية تفاوضية مع طهران إذا أصبح ذلك ممكناً.
خلاف لا يصل إلى القطيعة
وميّزت الصحيفة بين وجود خلاف داخل العلاقة وحدوث قطيعة تؤدي إلى انهيار العلاقة نفسها، معتبرة أن التباينات الحالية بين واشنطن وتل أبيب حقيقية، لكنها لا تشكل دليلاً على تفكك التحالف.
وأضافت أن الاختلافات بين الحلفاء ليست أمراً استثنائياً، وأن المعيار الأهم لا يكمن في التصريحات العلنية أو تفاصيل الاستقبال في البيت الأبيض، بل في استمرار التنسيق بين الجانبين بشأن إيران والقضايا الأمنية الأساسية.
وبعد الاجتماع، وصف نتنياهو المحادثات بأنها من بين أفضل لقاءاته مع ترامب، لكن الصحيفة أشارت إلى صعوبة التأكد مما جرى خلف الأبواب المغلقة، في ظل غياب معلومات ملموسة عن تفاصيل النقاش.
وخلصت “جيروزاليم بوست” إلى أن العلاقات الأميركية-الإسرائيلية نادراً ما تكون جيدة أو سيئة بالقدر الذي يوحي به الخطاب العلني، وأن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرة واشنطن وتل أبيب على مواصلة التنسيق في الملفات الأكثر أهمية، معتبرة أن الاجتماع الأخير يشير، رغم كل الضجيج، إلى أن هذا التنسيق لا يزال قائماً.












