تشهد الساحة السياسية والأمنية في القارة العجوز تطورات متسارعة، حيث كشف المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف عن تصاعد ملحوظ في وتيرة أي تحركات أوروبية ضد الإخوان المسلمين. وتأتي هذه التحذيرات الأمنية في عدد من الدول الأوروبية رداً على استراتيجية الجماعة التي تعتمد على ما وصفه الخبراء بـ«التسلل البطيء والتأثير التدريجي» داخل المجتمعات والمؤسسات الأوروبية. وتهدف الجماعة من خلال هذا النهج إلى توسيع نفوذها وإحداث تغييرات بعيدة المدى في البنية السياسية والاجتماعية للدول المستضيفة، مما دفع الأجهزة الأمنية إلى النظر بقلق متزايد إلى هذه الأنشطة.
الجذور التاريخية للتواجد الإخواني في القارة العجوز
لفهم طبيعة وتوقيت أي تحركات أوروبية ضد الإخوان في الوقت الراهن، يجب العودة إلى السياق التاريخي لتواجد الجماعة في أوروبا. بدأ هذا التواجد الفعلي منذ منتصف القرن العشرين، حينما استقبلت عدة دول أوروبية قيادات وعناصر من الجماعة. بمرور العقود، نجحت هذه العناصر في تأسيس شبكة معقدة من الجمعيات الخيرية، والمراكز الإسلامية، والمؤسسات الثقافية التي عملت كواجهة لأنشطتها. استغلت الجماعة مناخ الحريات والديمقراطية الأوروبي لبناء قاعدة جماهيرية واقتصادية صلبة، مما جعل تفكيك هذه الشبكات اليوم تحدياً قانونياً وأمنياً بالغ التعقيد للحكومات الأوروبية التي تسعى لحماية أمنها القومي وقيمها الديمقراطية.
تباين الاستراتيجيات: بين الحذر الألماني والحزم الفرنسي
أوضح المرصد أن هناك تبايناً واضحاً في أساليب التعامل مع الجماعة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. فبينما تتبنى بعض الحكومات نهجاً أكثر تشدداً، تفضل أخرى الاعتماد على الرقابة والمتابعة القانونية والإدارية.
**media[2727038]**
وفي ألمانيا، حذّر المدير العام للمكتب الاتحادي لحماية الدستور، سينان سيلين، من محاولات الجماعة التأثير على الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع، مؤكداً أن أعضاءها يلتزمون بالقوانين القائمة ما دامت لا تتعارض مع رؤيتهم الأيديولوجية. وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد المنتمين إلى الشبكات المرتبطة بالإخوان في ألمانيا بلغ نحو 12 ألف شخص خلال عام 2024. كما أكد وزير داخلية ولاية براندنبورج أن الجماعة لا تعتمد على العنف المباشر لتحقيق أهدافها، بل تسعى إلى التغلغل التدريجي داخل المؤسسات والمجتمع، مستفيدة من البيئة الديمقراطية والحريات العامة لترسيخ نفوذها على المدى الطويل.
وفي فرنسا، اتخذت السلطات خطوات أكثر صرامة تجاه الجماعة، إذ صوّت البرلمان الفرنسي في يناير 2026 لصالح قرار يدعو الاتحاد الأوروبي إلى إدراج الإخوان ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، كما أيدت المحكمة الإدارية في مدينة نانت خلال يونيو الجاري قرار حظر الاجتماع السنوي لـ«مسلمي غرب فرنسا»، والذي تعتبره السلطات الفرنسية مرتبطاً بالفرع المحلي للجماعة. وسبق ذلك إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يوليو 2025 حزمة من الإجراءات المالية والإدارية المشددة بحق أعضاء الجماعة والكيانات المرتبطة بها، شملت تجميد المساهمات المالية وتوسيع صلاحيات حل الجمعيات والمنظمات التي يشتبه في ارتباطها بالفكر المتطرف.
التداعيات الإقليمية والدولية لتضييق الخناق على الجماعة
إن تصاعد وتيرة أي تحركات أوروبية ضد الإخوان لا يقتصر تأثيره على الداخل الأوروبي فحسب، بل يحمل أبعاداً استراتيجية هامة على المستويين الإقليمي والدولي. محلياً، تساهم هذه الإجراءات في تجفيف منابع التمويل وتقليص قدرة الجماعة على استقطاب أجيال جديدة من المهاجرين والمسلمين الأوروبيين. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن هذا التضييق يوجه ضربة قوية للشبكة العالمية للإخوان، مما يحد من قدرتهم على استخدام العواصم الأوروبية كملاذات آمنة أو منصات لإدارة عملياتهم السياسية والإعلامية. هذا التوجه الأوروبي يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة حركات الإسلام السياسي على الاستقرار المجتمعي والعالمي.
المحاور الأوروبية والتوجه نحو الحظر الإداري والمالي
ويرى مراقبون أن المشهد الأوروبي يشهد حالياً انقساماً بين ما يوصف بـ«المحور الراديكالي» الذي تقوده فرنسا والنمسا ويدعو إلى إجراءات أكثر حزماً، و«المحور الحذر» الذي تمثله ألمانيا وهولندا، رغم أن تقارير استخباراتية ألمانية تصنف الجماعة باعتبارها تهديداً طويل الأمد للنظام الديمقراطي. وبحسب المرصد الأوروبي، تتجه غالبية الدول الأوروبية في المرحلة الحالية إلى تبني استراتيجية تقوم على الحظر الإداري والمالي بدلاً من الحظر القانوني الشامل، من خلال سحب صفة النفع العام من الجمعيات المرتبطة بالجماعة، وتشديد الرقابة على مصادر التمويل والأوقاف، وتجميد الأصول المالية عند الضرورة؛ بهدف الحد من نفوذها دون الدخول في معارك قضائية معقدة قد تترتب على قرارات الحظر الكامل.
The post تحركات أوروبية ضد الإخوان: عقوبات، حظر ومراقبة مالية appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












