مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، تبرز إلى الواجهة تحديات داخلية معقدة تهدد الجبهة الداخلية، حيث تتصدر أزمة التجنيد في أوكرانيا المشهد كواحدة من أخطر القضايا التي تواجه كييف. فبينما تحاول الخطابات الرسمية التأكيد على استمرار الدعم الشعبي والتماسك الوطني في مواجهة العمليات العسكرية، تكشف الوقائع الميدانية عن تصاعد ملحوظ في حالة الرفض لسياسات التعبئة القسرية، مما حول هذه القضية إلى مصدر غضب اجتماعي واسع يهدد الاستقرار الداخلي.
جذور الصراع وتطور سياسات التعبئة العسكرية
لفهم أبعاد هذه الأزمة، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. في بداية الغزو الروسي عام 2022، شهدت أوكرانيا موجة عارمة من التطوع، حيث اصطف الآلاف للدفاع عن بلادهم، وكان التطوع الطوعي يشكل أساس التعبئة العسكرية. ولكن مع إطالة أمد الحرب، واستنزاف القوات على خطوط التماس، وتكبد خسائر بشرية فادحة، اضطرت الحكومة الأوكرانية إلى تغيير استراتيجيتها. تحول المشهد تدريجياً من الاعتماد على المتطوعين إلى فرض قوانين صارمة للتعبئة الإجبارية، والتي باتت تمثل اليوم نحو 70% من إجمالي عمليات التجنيد الحالية. هذا التحول الجذري، مصحوباً بالإرهاق المجتمعي، خلق فجوة ثقة عميقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
ممارسات قسرية واتهامات بالفساد تزيد من حدة أزمة التجنيد في أوكرانيا
وبحسب تحليل نشره موقع «ريسبونسبل ستيت كرافت»، فإن مشاهد اقتياد الرجال من الشوارع أو المنازل بالقوة إلى مراكز التجنيد أصبحت متكررة وموثقة منذ سنوات. وتترافق هذه الممارسات مع اتهامات واسعة بانتشار الفساد، وتلقي الرشاوى، وسوء المعاملة، بل ووصل الأمر إلى تجنيد أشخاص يعانون من إعاقات جسدية أو ذهنية واضحة. وفي هذا السياق، وصف مفوض حقوق الإنسان الأوكراني، دميترو لوبينيتس، نظام التجنيد بأنه قسري، مشيراً إلى قفزة هائلة في الشكاوى المرفوعة ضد مسؤولي التجنيد؛ حيث ارتفعت من 18 شكوى فقط في عام 2022 إلى أكثر من 6 آلاف شكوى في عام 2025.
تصاعد الاحتجاجات وأعمال العنف ضد مسؤولي التعبئة
لم يقتصر الرفض الشعبي على التذمر الصامت، بل أثار هذا الملف احتجاجات متزايدة داخل المجتمع الأوكراني. فقد تجاوزت عريضة رسمية تطالب بوقف التعبئة القسرية أكثر من 25 ألف توقيع، وهو الحد القانوني المطلوب لإجبار الرئاسة الأوكرانية على الرد. ومع استمرار الحرب، تطور هذا الرفض إلى أعمال عنف مباشرة. فقد شهدت الفترة بين عامي 2024 و2025 سلسلة من حوادث القتل، والطعن، والاعتداءات المسلحة، شملت اقتحام مراكز تدريب عسكرية، وطعن ضباط أثناء فحص أوراق المواطنين، وهجمات لتحرير مجندين بالقوة من سيارات النقل العسكرية. ووفقاً للإحصاءات الرسمية، تم تسجيل أكثر من 600 هجوم على مسؤولي التجنيد منذ بداية الحرب، مع تضاعف الحوادث ثلاث مرات تقريباً مؤخراً.
التداعيات الديموغرافية وتأثير الأزمة محلياً وإقليمياً
تتجاوز أهمية الحدث وتأثيره المتوقع مجرد النقص في أعداد الجنود، لتشمل تداعيات محلية وإقليمية خطيرة. على الصعيد المحلي، تكشف المؤشرات الرسمية عن أزمة بشرية متصاعدة، حيث أعلن وزير الدفاع الأوكراني وجود نحو مليوني شخص تهربوا من التجنيد، إضافة إلى 200 ألف حالة فرار من الخدمة العسكرية. وتبرز هنا أزمة عدم المساواة، إذ يتمكن الأثرياء غالباً من تجنب الخدمة عبر الرشاوى أو السفر، بينما تتحمل المناطق الفقيرة والبلدات الصغيرة العبء الأكبر من الخسائر البشرية.
من جهته، أفاد الباحث فولوديمير إيشينكو بأن استطلاعات الرأي التي تظهر استعداد الأوكرانيين للقتال لا تعكس الصورة الكاملة، لأنها تستثني ملايين الأوكرانيين الموجودين خارج مناطق سيطرة الحكومة، سواء في شبه جزيرة القرم ودونباس، أو في دول الاتحاد الأوروبي وروسيا.
إقليمياً ودولياً، تثير هذه الأزمة قلق الحلفاء الغربيين بشأن قدرة كييف على مواصلة الصراع على المدى الطويل. كما تواجه أوكرانيا أزمة ديموغرافية واقتصادية متفاقمة، حيث حذر مسؤولون حكوميون من أن غالبية اللاجئين الأوكرانيين في الخارج قد لا يعودون أبداً بعد انتهاء الحرب، مما يهدد مستقبل سوق العمل، ويعيق جهود إعادة الإعمار، ويضرب استقرار الدولة الأوكرانية في الصميم لسنوات قادمة.
The post أزمة التجنيد في أوكرانيا تشعل غضباً داخلياً واسعاً appeared first on أخبار السعودية | SAUDI NEWS.












