نشرت في
في مشهد يعيد للأذهان تقنيات التواصل القديمة، لجأ سكان العاصمة الروسية موسكو بشكل متزايد إلى أجهزة اللاسلكي (ووكي-توكي) وأجهزة الاستدعاء (البيجر)، وذلك وسط اضطرابات غامضة ومستمرة تطال خدمة الإنترنت في قلب البلاد، في خطوة يُنظر إليها على أنها جزء من خطة الكرملين بتشديد القيود على الفضاء الرقمي الروسي.
اعلان
اعلان
بدأت بوادر الأزمة قبل نحو أسبوع، عندما أبلغ مستخدمون في وسط موسكو ومدينة سانت بطرسبرغ عن صعوبات جسيمة في الوصول إلى الإنترنت عبر هواتفهم المحمولة.
واشتكى المواطنون من عدم القدرة على تحميل المواقع والتطبيقات، وفقدان الخدمة كلياً لدى بعض المستخدمين، مما حال حتى دون إجراء المكالمات الهاتفية العادية.
ورغم أن شكاوى مماثلة برزت منذ أشهر في أنحاء روسيا بشأن إغلاق الإنترنت المحمول، إلا أن اختلفت هذه المرة بتركيزها على “المركز الداخلي” لموسكو، قلب العاصمة الروسية النابض سياسياً واقتصادياً، مما جعلها محط أنظار وانتقاد أوسع مقارنة بالاضطرابات السابقة التي شهدتها أقاليم أخرى على مستوى خدمة الإنترنت.
غضب شعبي وتبريرات أمنية
رداً على الشكاوى المتزايدة، صرّح الكرملين هذا الأسبوع بأن الانقطاعات تُطبق بهدف “ضمان الأمن”، مؤكداً استمرارها “طالما كانت هناك حاجة لتدابير إضافية”، دون الكشف عن تفاصيل محددة للأسباب الكامنة وراء هذه القيود المفاجئة.
وعلى الأرض، وصف دميتري (31 عاماً)، وهو استشاري يعمل في موسكو، الوضع بأنه ‘”صداع هائل”، قائلاً: “أواجه صعوبة في طلب سيارة أجرة، أو إرسال رسائل بريد إلكتروني خاصة بالعمل، أو حتى مجرد مراسلة عائلتي”.
وسادت المشاعر نفسها قطاعات واسعة، متأثرةً بتعطّل حياتها اليومية وأنشطتها التجارية.
نظرية “القائمة البيضاء” والرقابة الشاملة
وقد ربط نشطاء حقوقيون بين هذه الانقطاعات واختبار موسكو لنظام جديد يُعرف باسم “القائمة البيضاء”. إذ بحسب هذا النظام، لن يظل متاحاً أمام الروس سوى عدد محدود من المواقع الإلكترونية والخدمات الأساسية المعتمدة لدى السلطة.
ورغم تأكيد مسؤولين سابقين في موسكو أن هذه القائمة ستشمل “جميع الموارد اللازمة للحياة” مثل أسواق التجزئة وخدمات التوصيل والصيدليات الإلكترونية، يحذر مراقبون من أن تطبيق مثل هذا النظام سيمثل شكلاً دراماتيكياً من الرقابة على وصول المواطنين إلى الشبكة العنكبوتية الأوسع.
ولم تنجُ القطاعات الاقتصادية من تبعات هذا الإغلاق؛ حيث أثرت الاضطرابات بشدة على خدمات التوصيل، وتطبيقات سيارات الأجرة، ومتاجر التجزئة.
وقدّرت صحيفة “كوميرسانت” اليومية المتخصصة في الأعمال، الخسائر الناجمة عن انقطاع الإنترنت في موسكو بنحو مليار روبل (ما يعادل 12.6 مليون دولار) يومياً.
وامتدت تأثيرات العزل الرقمي لتشمل أعلى مستويات السلطة؛ إذ اشتكى نواب في مجلس الدوما (الغرفة السفلى في البرلمان الروسي) يوم الخميس من تعطل شبكات الهواتف المحمولة وشبكات الواي فاي داخل مقر البرلمان، مما ترك المشرّعين معزولين فعلياً عن العالم الخارجي وغير قادرين على الوصول إلى المعلومات أو التواصل خلال جلسات العمل.
عودة التقنيات التناظرية وارتفاع المبيعات
في ظل انعدام البدائل الرقمية الموثوقة، عاد الروس إلى الحلول التقليدية. وكشفت بيانات منصة التجارة الإلكترونية “ويلدبيريز آند رس”، التي نقلتها وسائل إعلام محلية، عن طفرة في شراء أدوات التواصل القديمة. فقد ارتفعت مبيعات أجهزة اللاسلكي بنسبة 27%، بينما سجلت مبيعات أجهزة “البيجر” –المستخدمة للتواصل مع العملاء والموظفين– قفزة بلغت 73%.
وفي مؤشر آخر على العودة إلى الأساليب الكلاسيكية في التنقل، تضاعف الطلب على الخرائط الورقية لموسكو ثلاث مرات تقريباً.
سياق أوسع من القيود وخوف من المستقبل
وتأتي هذه التطورات في إطار حملة متجددة على الفضاء الرقمي الروسي منذ الغزو الشامل لأوكرانيا.
وتصنف تقارير مجموعة الأبحاث “Top10VPN” روسيا في المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد اضطرابات الإنترنت خلال عام 2025.
ورغم ادعاء المسؤولين الروس سابقاً بأن هذه الإجراءات تهدف لإحباط هجمات الطائرات المسيرة الأوكرانية، يشكك خبراء في فعالية مثل هذه الخطوات في تحقيق ذلك الهدف.
ويتزامن الوضع الراهن مع حصار رقمي متزايد؛ حيث حظرت السلطات بالفعل منصات مثل واتساب وفيسبوك ويوتيوب، فيما تتزايد التكهنات بفرض قيود على تطبيق “تليغرام” واسع الانتشار بحلول الشهر المقبل.
علاوة على ذلك، أعلن نائب روسي يوم الخميس أن أجهزة الأمن قد تحصل خلال الأشهر الستة المقبلة على صلاحية تقييد حركة المرور عبر شبكات الخصوصية الافتراضية (VPN)، مما قد يسدّ أحد آخر الثغرات التي يعتمد عليها الروس للوصول إلى المحتوى المحجوب.
وفي خضم هذا الانكفاء الرقمي، يواصل المسؤولون الدفع باتجاه تبني تطبيق “ماكس” المدعوم من الدولة، والمصمم على غرار تطبيق “وي تشات” الصيني، والذي يُعتقد على نطاق واسع أنه يقع تحت السيطرة المباشرة لأجهزة الأمن الروسية، في محاولة لإعادة تشكيل طريقة تواصل المواطنين في ظل المشهد الرقمي المتغير.












