بقلم: Clara Nabaa & يورونيوز

نشرت في

شهدت مدن القامشلي والحسكة وكوباني تدفقا واسعا للنازحين الفارين من الهجمات العنيفة التي نفذتها قوات مرتبطة بالحكومة السورية الانتقالية في ريف حلب وبلدات الحسكة، إضافة إلى الرقة والطبقة. وقد تولت منظمة الهلال الأحمر الكردي، بالتنسيق مع منظمات محلية ودولية، إدارة توزيع العائلات النازحة على مراكز الإيواء مثل المساجد والمدارس، في محاولة لاحتواء الأزمة الإنسانية الخانقة.

وكانت الحكومة السورية و”قسد” قد أعلنتا، الجمعة، التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ويندرج تحت بنوده ضمان عودة النازحين إلى مناطقهم. وقد أكد قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، أن تنفيذ الاتفاق سيبدأ في 2 شباط، وسيتضمن “رفع الحصار عن مدينة كوباني”.

ورغم الإعلان عن فتح ممر إنساني إلى كوباني في 25 يناير، ودخول قوافل مساعدات من الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري، تؤكد تقارير محلية أن المساعدات التي وصلت حتى الآن محدودة ولا تلبي الاحتياجات الأساسية. وفي كوباني، يُشير بعض النازحين إلى الدعم لم يصل إليهم حتى الآن، في ظل استمرار النقص الحاد في الغذاء والمياه والخدمات الأساسية.

“لم تصلنا أي مساعدات”

في مقابلات أجرتها “يورونيوز” مع نازحين لجأوا إلى مدينة كوباني، تتكرر الشكوى ذاتها: لا مساعدات، ولا مقومات حياة، ومعاناة مستمرة منذ أسابيع. صالحة عثمان، وهي نازحة كردية من منطقة الرقة، تقول إن النازحين يعيشون حالة من الحيرة والضياع، صغارا وكبارا، أطفالا وعجائز.

وتضيف أن “العالم أغمض عينيه عن مأساتنا”، متسائلة عن مصداقية من يرفعون شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان، في وقت لا يصل فيه أي دعم فعلي إلى النازحين في روجافا (شمال وشرق سوريا) . وتؤكد أن الأطفال والعجائز قضوا هذه الفترة في الجوع والفقر، من دون ماء ولا كهرباء، بعد أن لجأوا إلى المدارس في كوباني.

وتستحضر صالحة مقارنة قاسية، متسائلة “هل هذه هي حقوق الإنسان؟”، مشيرة إلى أن العالم يتحرك عندما تُنتهك حقوق الحيوانات، بينما يغيب تماما عن معاناة الأطفال والعجائز المحاصرين.

من جهته، يصف عمر علي عطو، وهو نازح كردي لجأ إلى كوباني، ظروفا إنسانية بالغة القسوة داخل المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء. يقول إن الكهرباء قُطعت عن المدينة، ما أدى إلى انقطاع المياه، وإن النازحين يذيبون الثلج لتأمين الماء والطهو. ويضيف أن المحلات تفتقر إلى الحليب والمواد الغذائية، وأن البرد شديد، في ظل غياب الأغطية الكافية والغرف غير المجهزة.

ويشير عطو لـ”يورونيوز” إلى أن المدينة محاصرة من أربع جهات، ثلاث منها من قبل القوات التابعة للحكومة السورية المؤقتة، والجهة الرابعة هي الحدود التركية. ويقول إن كثيرين نزحوا على عجل ولم يتمكنوا من إحضار أي من أغراضهم، فيما خرج بعض الرجال وبقيت النساء في المناطق التي سيطرت عليها القوات العسكرية، حيث تعرضت النساء لسرقة الذهب والنقود. ويوجه نداء إلى المنظمات في الخارج للتحرك، وتنظيم مسيرات أمام القنصليات، لإيصال صوت المحاصرين الذين لا يملكون حتى شبكة اتصال للتواصل مع العالم.

نازحة أخرى، ياسمين محمد، تقول إن عائلتها نزحت بسبب القصف العنيف بالمدفعية وقذائف الهاون والدبابات، لتجد نفسها في إحدى مدارس كوباني من دون كهرباء أو مياه أو مواد غذائية أو فرش للنوم.

أما محمد مراد، وهو نازح من مدينة الطبقة، فيؤكد أنه وعائلته تعرضوا للتهجير خمس مرات خلال الأعوام الماضية، وكان النزوح الأخير إلى كوباني، حيث وصولوا إليها مشياً على الأقدام، من دون وسائل نقل.

ويقول إن النازحين بحاجة ماسة إلى الأدوية والمواد الغذائية، في ظل غلاء فاحش في الأسواق، ووجود مرضى من دون علاج. ويضيف أنه لا تتوفر فرص عمل أو أماكن إيواء لائقة، مؤكدا أنه منذ خروجهم من الطبقة لم تصل أي منظمة لدعم العائلات التي لا تملك أي مصدر دخل.

ويختم بنداء للمنظمات الدولية والحقوقية لمساعدة العائلات التي خرجت تحت الثلوج والأمطار.

أزمة إنسانية مستمرة

بحسب رئيس مكتب شؤون النازحين واللاجئين في شمال وشرق سوريا، شيخموس أحمد، فإن نحو 350 ألف شخص نزحوا إلى مناطق الحسكة والقامشلي وكوباني، نتيجة الهجمات الأخيرة التي شنتها القوات الحكومية على مناطق الرقة والطبقة ودير الزور. وتشير المعطيات إلى أن مدينة كوباني باتت تؤوي أعدادا كبيرة من العائلات النازحة من القرى والمناطق الريفية القريبة، بعد فرارها من القصف العنيف.

ويعيش سكان المدينة والنازحون، على ما تبقى في الأسواق المحلية أو في منازلهم، فيما استنفدت بعض العائلات مخزونها الغذائي بالكامل. وأدى تعليق خدمات المياه والكهرباء والوقود والغذاء والإنترنت إلى شلل شبه تام في الحياة اليومية، ودفع عائلات من القرى والأحياء المحيطة إلى النزوح نحو مركز المدينة بحثا عن الأمان، لتجد نفسها أمام مأوى محدود وغياب شبه كامل لوسائل التدفئة والإمدادات الأساسية.

ويحتمي نازحون في المساجد والمدارس من دون توفر فرش كافية أو وقود، بينما يواجه آخرون مخاطر أكبر وهم ينامون في السيارات أو في العراء، في ظل انخفاض درجات الحرارة. وأكدت بيانات صادرة عن الهلال الأحمر الكردي وفاة خمسة أطفال قاصرين بسبب ظروف الشتاء القاسية وسوء التغذية، ووصفت المنظمة الأوضاع في كوباني بأنها حالة طوارئ إنسانية كبرى.

وفي هذا السياق، حذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش من “وضع إنساني خطير” يتكشف في مدينة كوباني، ومن تداعيات النزوح الواسع للمدنيين من شمال شرق سوريا، في أعقاب الهجوم العسكري الأخير.

وبينما ينتظر بعض النازحين العودة إلى مناطقهم مع بدء تنفيذ الاتفاق، يدرك آخرون، لا سيما القادمين من الرقة والطبقة، أن العودة قد لا تكون خيارا متاحا، ما يضعهم أمام مستقبل مفتوح على القلق وعدم اليقين.

موازين قوى جديدة

تكتسب مدينة كوباني أهمية رمزية وعسكرية خاصة، إذ كانت في عام 2014 مركزا لمعركة مفصلية ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق، قبل أن تتحول مجددا إلى نقطة تماس في خضم تحولات ميدانية متسارعة. ففي منتصف يناير، أطلقت دمشق هجوما عسكريا واسعا استهدف مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في ريف حلب الشرقي والرقة ودير الزور ومناطق قرب الحسكة، وتمكنت القوات الحكومية ومجموعات مسلحة متحالفة معها من التقدم سريعا داخل أراضٍ كانت القوات الكردية قد سيطرت عليها قبل نحو عقد، في إطار الحرب على التنظيم ومنع عودته.

وخلال أسابيع من الاشتباكات، خسرت “قسد” مساحات واسعة لصالح القوات الحكومية، لتصبح محصورة في مناطق ذات غالبية كردية في شمال وشرق البلاد. وكان هذا التقدم قد سبقه، في مطلع الشهر نفسه، إطلاق عملية عسكرية للسيطرة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية شمال حلب.

وأسفرت هذه العمليات عن مقتل ما لا يقل عن 82 شخصا، بينهم 43 مدنيا، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، إضافة إلى نزوح نحو 150 ألف شخص، وفقا لمؤسسة بارزاني الخيرية. كما أثارت حوادث ميدانية جدلا واسعا في الأوساط الكردية، بينها إلقاء جثة مقاتلة كردية من أحد المباني في حلب، وقص ضفيرة شعر مقاتلة أخرى، ما فجّر موجة احتجاج واسعة.

من جهتها، تتمسك الحكومة السورية المؤقتة بموقف رافض لأي كيان عسكري أو إداري خارج سلطتها، وتصف قوات سوريا الديمقراطية بأنها مشروع انفصالي أو كيان لا يخضع لمرجعية الدولة. وتشدد دمشق على أن أي صيغة للإدارة الذاتية أو الفيدرالية مرفوضة دستوريا، وأن وحدة الأراضي السورية خط أحمر، معتبرة أن الدولة وحدها المخوّلة بإدارة المرحلة السياسية المقبلة والتفاوض باسم جميع السوريين.

وفي انتظار بدء تنفيذ الاتفاق الأخير ورفع الحصار فعليا، يترقّب النازحون الأكراد ما ستؤول إليه الأيام المقبلة. وبينما يأمل بعض النازحين بالعودة إلى مناطقهم، يدرك آخرون أن مصيرهم سيبقى معلقا على مسار سياسي وأمني هش.

مقاطع الفيديو من تقديم الصحافية الكردية روكان أورال

شاركها.
اترك تعليقاً

© 2026 الشرق اليوم. جميع الحقوق محفوظة.
Exit mobile version